ولما كانت لا تسر إلا بالثبات ، قال : (أَصْلُها ثابِتٌ) أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث بالرياح ونحوها (وَفَرْعُها) عال صاعد مهتز (فِي) جهة (السَّماءِ) لحسن منبتها وطيب عنصرها ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر «ثابت» أولا دال على عال صاعد ثانيا ، وذكر «السماء» ثانيا دال على الأرض أولا.
ولما ذكر حالها ، ذكر ثمرتها فقال : (تُؤْتِي أُكُلَها) أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريّها (كُلَّ حِينٍ) على أحسن ما يكون من الإيتاء ، لأن علوها منعها من عفونات الأرض وقاذورات الأبنية ، فكانت ثمرتها نقية من شوائب الأدناس.
ولما كان الشيء لا يكمل إلا بكمال مربيه قال : (بِإِذْنِ رَبِّها) فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن يتسبب في إفسادها ، ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل النفوس ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : «كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم فقال : أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [...] ، تؤتي أكلها كل حين ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : فوقع في نفسي أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم : هي النخلة ، فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة ، فقال : ما منعك أن تكلم؟ قال : لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم ، قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا» (١).
ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم ، فقال : (وَيَضْرِبُ اللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ) أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم ، لأن في ضربها زيادة إفهام وتصوير للمعاني ، لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ارتسمت في الحس والخيال والوهم ، وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها ، فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجى له غاية التذكر ـ بما أشار إليه الإظهار ، فهذا مثل كلام الأولياء ، فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها ، وهي أصل كل سعادة راسخة في قلوبهم ، معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح ، فصارت كلما
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٢ و ١٣١ و ٤٦٩٨ و ٦١٢٢ ومسلم ٢٨١١ والترمذي ٢٨٦٧ والحميدي ٦٧٧ وابن حبان ٢٤٣ و ٢٤٤ وأحمد ٢ / ٣١ و ٦١ كلهم من حديث ابن عمر.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
