فكيف يظن أنه يخلق شيئا فيهما سدى بأن يكون باطلا فلا يبطله ، أو حقا فلا يحقه ، أم كيف يتوهم أنه ـ مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر خلقا وأعظم شأنا ـ لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمرا وأصغر قدرا ، أو خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء بعده ، فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة ، فهو بحيث (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أي بنوع من أنواع الإذهاب : الموت أو غيره (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) غيركم أو يأت بكم بعد أن فنيتم بحيث تعودون ـ كما أنتم ـ خلقا جديدا ؛ والجديد : المقطوع عنه العمل في الابتداء ، وأصله القطع ، فالجد أب الأب ، انقطع عن الولادة بالأب ، والجد ضد الهزل ، يقطع به المسافة حسا أو معنى (وَما ذلِكَ) الإذهاب والإتيان على عظمه (عَلَى اللهِ) أي الملك الأعلى (بِعَزِيزٍ) وهو الممتنع بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلا عن أن يكون أعظم منه ، فلا وجه لقولكم (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ) [سبأ : ٧] ، الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم ـ التي هي أسبابهم ـ الموجب لهلاكهم.
ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد الموت ، عطف على قوله : (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) [إبراهيم : ١٨] قوله ـ بيانا لهو أن البعث عنده وسهولته عليه ـ : (وَبَرَزُوا) أي في ذلك اليوم ، عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق ، لأن أخبار الملوك يجب تحققها لقدرتهم وغناهم عن الكذب ، فكيف بملك الملوك! وفيه من هز النفس وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل (لِلَّهِ) أي الملك الأعظم (جَمِيعاً) فكانوا بحيث لا يخفى منهم خافية على ما هو متعارفهم ، لأنه لا ساتر لهم ، فإن البروز خروج لشيء عما كان متلبسا به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه ، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب ، فتقطعت بهم الأسباب (فَقالَ الضُّعَفاءُ) أي الأتباع من أهل الضلال بسبب علمهم أنهم في القبضة لا ملجأ لهم ، تبكيتا لرؤسائهم وتوبيخا ، تصديقا لقوله تعالى : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف : ٦٧](لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك : (إِنَّا كُنَّا) أي كونا هو كالجبلة (لَكُمْ تَبَعاً) أي تابعين أو ذوى تبع فكنتم سبب ضلالنا ، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ) أي دافعون (عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ) أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق انتقامه ، وأبلغوا بعد التبعيض ب «من» الأولى في التقليل ، فقالوا : (مِنْ شَيْءٍ) كأن العذاب كان محتاجا إلى أخذهم
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
