(مِثْلُنا) يريدون : فما وجه تخصيصكم بالرسالة دوننا؟ ثم كان كأنه قيل : فكان ماذا؟ فقالوا : (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا) أي تلفتونا وتصرفونا (عَمَّا كانَ) أي كونا هو كالجبلة ، وأكدوا هذا المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع فقالوا : (يَعْبُدُ آباؤُنا) أي أنكم ـ لكونكم من البشر الذين يقع بينهم التحاسد ـ حسدتمونا على اتباع الآباء وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعا (فَأْتُونا) أي فتسبب ـ عن كوننا لم نر لكم فضلا وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعا ـ أن نقول لكم : ائتونا لنتيعكم (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه عليكم ، وهذا تعنت محض فإنهم جديرون بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به كائنا ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به ، فكأنه قيل : فما كان جواب الرسل؟ فقيل : (قالَتْ).
ولما أرادوا تخصيصهم برد ما قالوا ، قيد بقوله : (لَهُمْ رُسُلُهُمْ) مسلمين أول كلامهم غير فاعلين فعلهم في الحيدة عن الجواب (إِنْ) أي ما (نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ما لنا عليكم فضل بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا يمنع اختصاص بعض البشر عن بعض بفضائل ؛ والمثل : ما يسد مسد غيره حتى لو شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر لم يقع فصل (وَلكِنَّ اللهَ) أي الذي له الأمر كله فضلنا عليكم لأنه (يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ) أي أن يمن عليه (مِنْ عِبادِهِ) رحمة منه له ، بأن يفضله على أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون ، فلم يصرحوا بما تميزوا به من وصف النبوة ، ولم يخصوا أنفسهم بمنّ الله بل أدرجوها في عموم من شاء الله ، كل ذلك تواضعا منهم واعترافا بالعبودية ؛ والمن : نفع يقطع به عن بؤس ، وأصله القطع ، ومنه (غَيْرُ مَمْنُونٍ) ، والمنة قاطعة عن الدنيا.
ولما بينوا وجه المفارقة ، عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا : (وَما) أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه ، وما (كانَ) أي صح واستقام (لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ) مما تقترحونه تعنتا ، وهو البرهان الذي يتسلط به على إبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي يثبت بها النبوة (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه ، فنحن نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم أو خالفتم (وَعَلَى اللهِ) أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه وحده (فَلْيَتَوَكَّلِ) أي بأمر حتم (الْمُؤْمِنُونَ) فكيف بالأنبياء ؛ ثم بينوا سبب وجوب التوكل بقولهم : (وَما) أي وأي شيء (لَنا) في (أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ) أي ذي الجلال والإكرام (وَ) الحال أنه (قَدْ هَدانا سُبُلَنا) فبين لنا كل ما نأتي وما نذر ، فلا محيص لنا عن شيء من ذلك ، فلنفعلن جميع أوامره ، ولننتهين عن جميع مناهيه
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
