والسرعة : عمل الشيء في قلة المدة على ما تحده الحكمة ، والإبطاء : عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة ، والسرعة محمودة ، والعجلة مذمومة ، وهو تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا كالقاطعين بأنهم يغلبون ، لما لهم من القوة والكثرة ، مع جودة الآراء وحدة الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد مكرهم ، فهو لا يغني عنهم شيئا ، فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علوا (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ) ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض الزمان قال : (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي بالرسل وأتباعهم ، فكان مكرهم وبالا عليهم ، فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم ، فكان سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله ، ودل على ذلك المطوي بواو العطف في قوله (وَقَدْ) وطوى في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في (أَوَلَمْ يَرَوْا) فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز.
ولما كان ذلك كذلك ، تسبب عنه أن يقال : (فَلِلَّهِ) أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة (الْمَكْرُ جَمِيعاً) والمكر : الفتل عن البغية بطريق الحيلة ، ويلزمه الستر ـ كما مضى بيانه ، ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى ، فلا طريق لهم إلى علمها إلا من جهته سبحانه ، وسمي فعله مكرا مجازا لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم ؛ ثم علل ذلك بقوله : (يَعْلَمُ) ويجوز أن يكون تفسيرا لما قبله ، لأن علم المكر من الماكر من حيث لا يشعر أدق المكر (ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) أي من مكر وغيره ، فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسببا يكون ضد ما أرادوا ، ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته ، فستنظرون ماذا يحل بهم من بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ) أي كل كافر بوعد لا خلف فيه ، إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا بالتصريح أو الحس (لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) حين نأتيهم ضد مرادهم ؛ والكسب : الفعل لاجتلاب النفع أو دفع الضر.
ولما تقدم قوله تعالى : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ) عطف عليه ـ بعد شرح ما استتبعه ـ قوله : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب ، قولا على سبيل التكرار : (لَسْتَ مُرْسَلاً) لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوما : إنه قادر عليها ، فكأنه قيل : فما أقول لهم؟ فقال : (قُلْ كَفى) والكفاية : وجود الشيء على مقدار الحاجة ؛ ومعنى الباء في (بِاللهِ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ـ التأكيد ، لأن الفعل لما جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين : جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة (شَهِيداً) أي بليغ العلم في شهادته
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
