المصاحف مشير ـ بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو والرفعة ـ إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية ، فإنه قد يمحو عمر شخص بعد أن كانت له آثار جميلة ، فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها ، وقد يمحو شريعة ينسخها ويبقى منها آثارا صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة لها ، وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضا في (يَمْحُ اللهُ الْباطِلَ) في الشورى مع أنه مرفوع أيضا ، فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقا هو النهاية ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية الاتقان والدفاع ، وقال : (وَعِنْدَهُ) مع ذلك (أُمُ) أي أصل (الْكِتابِ) لمن وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة ، وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتاب ، وقد تقدم غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه كلما طلب ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : هما كتابان : كتاب سوى أم الكتاب ، يمحو منه ما يشاء ويثبت ، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء ـ انتهى. والمراد ـ والله أعلم ـ أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا ـ وإن كان في الفرع على غير ذلك ، فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى ، فإذا نقضت الشريعة الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا ، أو يكون المعنى : يمحو ما يشاء من ذلك الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد ، ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم وعنده أم الكتاب ؛ قال الرازي في اللوامع : وقد أكثروا القول فيها ، وعلى الجملة فكل ما يتعلق به المشيئة من الكائنات فهو بين محو وإثبات ، محو بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت ، إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية ، والقضاء الأزلي ، والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات ، فذلك هو القضاء وهذا هو القدر ، فالقضاء مصدر القدر ، والقدر مظهر القضاء ، والله تعالى وصفاته منزه عن التغير.
ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم ، وختم بأنه سبحانه يفعل ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات ، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به ، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريبا لفصل النزاع ، قال سبحانه وتعالى : (وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ) أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه ، نفيا لما يحمله عليه صلىاللهعليهوسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتما (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك ، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقرارا لأعينكم قبل وفاتك ؛ والوعد : الخبر عن خير مضمون ، والوعيد : الخبر عن شر مضمون ، والمعنى هاهنا عليه ، وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبل أن نريك ذلك ، وهو ممحو الأثر لم يتحقق ، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين (فَإِنَّما عَلَيْكَ
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
