كقوله (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) [النحل : ٦٠] ، أي الصفة العليا ـ كذا قال ، ويمكن أن يكون ذلك حقيقة ، ويكون هناك محذوف ، وهو جنة من جنان الدنيا تجري من تحتها الأنهار ـ إلى آخره ، وهو من قول الزجاج.
ثم ابتدأ إخبارا آخر تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها في قوله تعالى : (تِلْكَ) أي الجنة العالية الأوصاف (عُقْبَى) أي آخر أمر (الَّذِينَ اتَّقَوْا) ثم كرر الوعيد للكافرين فقال : (وَعُقْبَى) أي منتهى أمر (الْكافِرِينَ) بالرحمن ، المتضمن للكفر بالوحي والموحى إليه (النَّارُ).
ولما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة ، والكافرين به بضعف العقول الدافع إلى الفساد الموصل إلى سوء الدار ، ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ختم به ذلك ، عطف على ذلك قوله ـ ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف على محذوف هو علة لختم الآية السالفة ، تقديره : لأنهم ساءهم ما أنزل إليه حسدا وجهلا ـ : (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ) أي بما لنا من العظمة التي استنقذتهم من الضلال (الْكِتابَ) ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل (يَفْرَحُونَ بِما) ولما كان المنزل دالّا بإعجازه على المنزل ، بنى للمفعول قوله : (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي من هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن كلام الله كله من مشكاة واحدة ، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون غيرهم ، فكأنه ما أنزل إلا إليهم ، وهذا العطف يرجح أن يكون الموصول هناك مرفوعا بالابتداء (وَمِنَ الْأَحْزابِ) من أهل الأوثان والكتاب الذين تحزبوا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) كالتوحيد ونعت الإسلام ونبوة النبي صلىاللهعليهوسلم وما يتبع ذلك مما حرفوه وبدلوه ، ويريد أن يكون الأمر تابعا فيه لغرضه ، فالمشركون يريدون أن يمدح آلهتهم في بعض الآيات أو أن يسقط وصفها بالعيب ، واليهود يريدون أن ينزل ما يوافق فروع التوراة كما أنزل ما وافق الأصول ، وينكرون النسخ ، وأهل الإنجيل يريدون أن ينزل في المسيح ما يهوون ونحو ذلك ؛ قال المفسرون : كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعل مما هو ثابت في كتبهم غير محرف ، فلكفرهم بذلك البعض أمره أن يعلمهم باعتقاده كفروا أو شكروا فقال : (قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ) أي وقع الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغير ممن له الأمر كله (أَنْ أَعْبُدَ اللهَ) أي الذي لا شيء مثله وحده ، ولذلك قال : (وَلا أُشْرِكَ بِهِ) لا أفعل إلا ما يأمرني به من غير نظر إلى سواه ، ديني مقصور على ما أنكرتموه (إِلَيْهِ) وحده (أَدْعُوا وَإِلَيْهِ) خاصة (مَآبِ) أي إيابي ومكانه وزمانه ، معنى بالتوبة عند الفتور عن القيام بحقه ، وحسّا بالبعث للجزاء ؛
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
