شيئا فعل ما شاء من ذلك ، فسير به ما شاء من الجبال إلى ما أراد من الأراضي لما رام من الأغراض ، وقطع به ما طلب من الأرض أنهارا وجنانا وغيرها ، وكلم به من اشتهى من الموتى ، ثم إذا فتح هذا الباب فلا فرق بين القدرة على هذا والقدرة على غيره ، فيصير من حفظ منه شيئا قادرا على شيء ، فبطلت حينئذ حكمة اختصاص الله سبحانه بذلك من أراد من خلص عباده ، وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من الفجرة أن أمر ذلك بيده ، يفعل فيه ما يشاء متى شاء ، فيصير ادعاءه مقرونا بالفعل شبهة في الشرك ، وليعلم قطعا أنه ليس في يد أحد أمر ، بل (لِلَّهِ) أي الذي له صفات الكمال وحده (الْأَمْرُ) وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى (جَمِيعاً) في ذلك وغيره ، لا لي ولا لأحد من الأنبياء الذين قلتم إني لست أدنى منزلة منهم ، وأما الخوارق التي كانت لهم فلولا أن الله شاءها لما كانت ، فالأمر إليه وحده ، مهما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وكأن هذا جواب لما حكي في السيرة النبوية أن الكفار تفتنوا به ؛ قال ابن إسحاق : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، فاجتمع أشرافهم فأرسلوا إليه صلىاللهعليهوسلم فكلموه في الكف عنهم وعرضوا عليه أن يملكوه عليهم وغير ذلك فأبى وقال : «إن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فقالوا : فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ـ زاد البغوي : فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال تسبح معه ، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا ، ونرجع في يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت ـ رجع إلى ابن إسحاق : وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل! فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله ، وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول ـ زاد البغوي : فإن عيسى كان يحيي الموتى ، ولست بأهون على ربك منه» (١) فكان
__________________
(١) ذكره ابن هشام في السيرة ١ / ٢٩٤ و ٢٦٥ والبغوي في تفسيره ٣ / ١٤ و ١٥ وابن كثير في تفسيره أيضا ٤ / ٣٢١ وذكر بعضه السيوطي في الدر المنثور ٤ / ٦٢ وقال : أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عطية العوفي. ـ وورد بنحوه من حديث الزبير بن العوام أخرجه أبو يعلى ٦٧٩ وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه كما في الدر ٤ / ٦٢ وفيه : «يا آل عبد مناف إني نذير ، فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك وأن سليمان سخّر له الريح والجبال وأن موسى سخّر له البحر وأن عيسى كان يحيي الموتى؟ فادع الله أن يسيّر عنا هذه الجبال ، ويفجر لنا الأرض أنهارا فنتخذها محارث فنزرع ونأكل ، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا ، وإلا فادع
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
