يوقعون شيئا منهما مكان الآخر ؛ والعهد : العقد المتقدم على الأمر بما يفعل أو يجتنب ، والإيفاء : جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان.
ولما كان الدليل العقلي محتما للثبات عليه كما أن الميثاق اللفظي موجب للوفاء به ، قال تعالى : (وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) أي الإيثاق ولا الوثاق ولا مكانه ولا زمانه ؛ والنقض : حل العقد بفعل ما ينافيه ولا يمكن أن يصح معه ، والميثاق : العقد المحكم وهو الأوامر والنواهي المؤكدة بحكم العقل.
ولما كان أمر الله جاريا على منهاج العقل وإن كان قاصرا عنه لا يمكن نيله له من غير مرشد ، قال : (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ) أي من كل شيء على سبيل الاستمرار (ما أَمَرَ اللهُ) أي الذي له الأمر كله ؛ وقال : (بِهِ أَنْ يُوصَلَ) دون «يوصله» ليكون مأمورا بوصله مرتين ، ويفيد تجديد الوصل كلما قطعه قاطع على الاستمرار لما تظافر على ذلك من دليلي العقل والنقل ؛ والوصل : ضم الثاني إلى الأول من غير فرج.
ولما كان الدليل يرشد إلى أن الله تعالى مرجو مرهوب قال : (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي المحسن إليهم ، من أن ينتقم منهم إن خالفوا بقطع الإحسان. ولما كان العقل دالا بعد تنبيه الرسل على القدرة على المعاد بالقدرة على المبدأ ، وكان الخوف منه أعظم الخوف ، قال تعالى : (وَيَخافُونَ) أي يوجدون الخوف إيجادا مستمرا (سُوءَ الْحِسابِ) وهو المناقشة فيه من غير عفو ، ومن أول السورة إلى هنا تفصيل لقوله تعالى أول البقرة (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة : ١] مع نظره إلى قوله آخر يوسف (ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى) [يوسف : ١١١].
ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس ، قال مشيرا إلى ذلك مع شموله لغيره : (وَالَّذِينَ صَبَرُوا) أي على طاعات الله وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه ، والصبر : الحبس ، وهو تجرع مرارة المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز فعله (ابْتِغاءَ) أي طلب (وَجْهِ رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم ، وكأنه ذكر الوجه إثارة للحياء وحثا عليه لا ليقال : ما أجلده! ولا لأنه يعاب بالجزع ، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة.
ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف ، خص بالذكر أشياء مما دخل في العهد والميثاق تشريفا لها فقال : (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) لأنها في الوصلة بالله كالميثاق في الوصلة بالموثق له ، وقال ـ : (وَأَنْفَقُوا) وخفف عنهم بالبعض فقال : (مِمَّا رَزَقْناهُمْ) ـ لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى المقاصد ، فهذا إنفاق من المال ، وتلك إنفاق من
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
