فتسببتم عن انفراده بربوبيتكم أن أوجدتم الأخذ بغاية الرغبة ، فتسببتم الإشراك عما يجب أن يكون سبب التوحيد ، وبين سفول رتبتهم بقوله : (مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) لا يساوونكم في التسبب في الضر والنفع ، بل (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ) فكيف بغيرهم (نَفْعاً) ونكره ليعم ، وقدمه لأن السياق لطلبهم منهم ، والإنسان إنما يطلب ما ينفعه.
ولما كان من المعلوم أنه لا قدرة لأحد على أن يؤثر في آخره أثرا لا يقدر على مثله في نفسه قال : (وَلا ضَرًّا) فثبت أن من سواهم بالله أضل الضالين ، لأنه يلزمه أن يسوي بين المتضادات ، فكان معنى قوله : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي) والاستواء : استمرار الشيء في جهة واحدة (الْأَعْمى) في عينه أو في قلبه (وَالْبَصِيرُ) كذلك (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي) بوجه من الوجوه (الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) : هل أدتهم عقولهم إلى أن سووا بين هذه المتضادات الشديدة الظهور لغباوة أو عناد حتى سووا من يخلق بمن لا يخلق ، فجعلوا له شريكا كذلك لغباوة أو عناد (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ) أي الذي له مجامع العظمة (شُرَكاءَ) ثم بين ما يمكن أن يكون به الشركة ، فقال واصفا لهم : (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) وسبب عن ذلك قوله : (فَتَشابَهَ) والتشابه : التشاكل بما يلتبس حتى لا يفصل فيه بين أحد الشيئين والآخر (الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) فكان ذلك الخلق الذي خلقه الشركاء سبب عروض شبهة لهم ، وساق ذلك في أسلوب الغيبة إعلاما بأنهم أهل للإعراض عنهم ، لكونهم في عداد البهائم لقولهم ما لا يعقل بوجه من الوجوه ، وهذا قريب مما يأتي قريبا في قوله : (أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) [الرعد : ٣٣]. أي بشبهة يكون فيها نوع ظهور لبعض الأذهان.
ولما كان من المعلوم قطعا أن جوابهم أن الخلق كله لله. ولم يمنعهم ذلك من تأله سواه ، أمره أن يجيبهم معرضا عن جوابهم فقال : (قُلِ اللهُ) أي الملك الأعلى (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إشارة إلى أنهم في أحوالهم كالمنكر لذلك عنادا أو خرقا لسياج الحياء وهتكا لجلباب الصيانة ، وإذ قد ثبت أنه المنفرد بالخلق وجب أن يفرد بالتأله فقال : (وَهُوَ الْواحِدُ) الذي لا يجانسه شيء ، وكل ما سواه لا يخلو عن مجانس يماثله ، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له (الْقَهَّارُ) الذي كل شيء تحت قهره بأنفسهم وظلالهم ، وهو القادر بما لا يمكن أن يغلبه غالب وهو لكل شيء غالب ، وهذا إشارة ـ كما مضى في مثله غير مرة في سورة يوسف وغيرها ـ إلى برهان التمانع ، فإن أربابهم متعددون ، فلو كانت لهم حياة وكانوا متصرفين في الملك لأمكن بينهم تمانع وكان كل منهم معرضا لأن يكون مقهورا ، فكيف وهم جماد! فثبت قطعا أنه لا شيء منهم يصلح للإلهية على تقدير من التقادير ؛ قال الرماني : والواحد على وجهين : شيء لا ينقسم أصلا ، وشيء لا ينقسم في معنى كالدنيا.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
