الصانع وما له من صفات الكمال ، فلما كفروا بما أتاهم كانوا جديرين بالكفر بما يأتيهم فقال : (وَيَقُولُ) أي على سبيل الاستمرار (الَّذِينَ كَفَرُوا) استهزاء بالقدرة (لَوْ لا) أي هلا ولم لا (أُنْزِلَ) أي بإنزال أيّ كائن كان (عَلَيْهِ آيَةٌ) جاحدين عنادا لما أتاه من الآيات (مِنْ رَبِّهِ) أي المحسن إليه تصديقا له.
ولما كان النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم راغبا في إجابة مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم ، كان كأنه سأل في ذلك لتحصل لهم النجاة ، فأجيب بقوله تعالى ـ مقدما ما السياق أولى به لأنه لبيان أن الأكثر لا يؤمن ـ : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) أي نبي منذر هاد لهم تهديهم ببيان ما أنزله عليك مما يوقع في الهلاك أو يوصل إلى النجاة ، سائر فيهم على حسب ما أحدّه لك ، وأصل الإنذار الإعلام بموضع المخافة ليتقى ، لا أنك مثبت للإيمان في الصدور (وَلِكُلِّ قَوْمٍ) ممن أرسلنا إليهم نبي (هادٍ) أي داع يهديهم إلى مراشدهم ومنذر ينذرهم من مغاويهم ، أي يبين لهم ما أرسلناه به من النذارة والبشارة ، وأعطى كل منذر وهاد آيات تليق به وبقومه على مثلها يؤمن البشر ، فيهدي الله من يعلم فيه قابلية الهدى بما نصب من الآيات المشاهدات ، فلا يحتاج إلى شيء من المقترحات ، ويضل من يعلم فيه دواعي الضلال ولو جاءته كل آية ، لأنه الذي جبلهم على طبائع الخير والشر (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [تبارك : ١٤] فهو كقوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) [فاطر : ٢٤] وكقوله في هذه السورة (ويقولون) (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) والآية من الاحتباك : ذكر المنذر أولا يدل على حذفه ثانيا ، وذكر الهاد ثانيا دال على حذف مثله أولا.
ولما كان ما مضى مترتبا على العلم والقدرة ولا سيما ختم هذه الآية بهاد ، وكان إنكارهم البعث إنكارا للنشأة الأولى ، وكان سبحانه وتعالى يعلم أن إجابتهم إلى ما اقترحوا غير نافع لهم ، لأنهم متعنتون لا مسترشدون ، شرع سبحانه ـ بعد الإعراض عن إجابة مقترحاتهم ـ يقرر من أفعاله المحسوسة لهم المقتضية لاتصافه من العلم والقدرة بما هو كالإعادة سواء إشارة منه تعالى إلى أن إنكار البعث إن كان لاستحالة الإعادة فهي مثل البداءة ، وإن كان لاستحالة تمييز التراب الذي كان منه الحيوان ـ بعد اختلاطه بغيره وتفرق أجزائه ـ فتمييز الماء الذي يكون منه الولد من الماء الذي لا يصلح لذلك أعجب ، لأن الماء أشد اختلاطا وأخفى امتزاجا ، ومع ذلك فهو يعلمه فقال : (اللهُ) أي المحيط بكل شيء علما وقدرة (يَعْلَمُ) أي علما قديما في الأزل بما سيوجد وعلما يتجدد تعلقه بحسب حدوث الحادثات على الاستمرار (ما تَحْمِلُ) أي الذي تحمله في
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
