بقوله : (لِقَوْمٍ) أي ذوي قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه (يَتَفَكَّرُونَ) أي يجتهدون في الفكر ، قال الرماني : وهو تصرف القلب في طلب المعنى ، ومبدأ ذلك معنى يخطره الله تعالى على بال الإنسان فيطلب متعلقاته التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه ، والختم بالتفكر إشارة إلى الاهتمام بإعطاء المقام حقه في الرد على الفلاسفة ، فإنهم يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية ، وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما قرره سبحانه في الآية السالفة من إسقاط وروده من أنه سبحانه هو الذي أوجد الأشياء كلها من عدم ثم أخذ في تدبيرها ، فاختصاص كل شيء من الأجرام العلوية بطبع وصفة وخاصية إنما هو بتخصيص المدبر الحكيم الفاعل بالاختيار ، فصار وجود الحوادث السفلية لو سلم أنه متأثر عن الحوادث العلوية إنما يكون مستندا إليها باعتبار السببية ، والسبب والمسبب مستند إلى الصانع القديم المدبر الحكيم.
ولما كان هذا الدليل ـ مع وضوحه ـ فيه بعض غموض ، شرع تعالى في شيء من تفصيل ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلا ظاهرا جدا على إبطال قول الفلاسفة ، فقال : (وَفِي الْأَرْضِ) أي التي أنتم سكانها ، تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك (قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع ، طيبة إلى سبخة ، وكريمة إلى زهيدة ، وصلبة إلى رخوة ، وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها ، مع انتظام الكل في الأرضية (وَجَنَّاتٌ) جمع جنة ، وهي البستان الذي تجنه الأشجار (مِنْ أَعْنابٍ) وكأنه قدمها لأن أصنافها ـ الشاهدة بأن صانعها إنما هو الفعال لما يريد ـ لا تكاد تحصر حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة ولذلك جمعها.
ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب ، قال : (وَزَرْعٌ) أي منفردا ـ في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع ، وفي خلل الجنات ـ في قراءة الباقين بالجر.
ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله : (وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ) فروع متفرقة على أصل واحد (وَغَيْرُ صِنْوانٍ) باعتبار افتراق منابتها وأصولها ؛ قال أبو حيان : والصنو : الفرع يجمعه وآخر أصل واحد ، وأصله المثل ، ومنه قيل للعم : صنو وقال الرماني : والصنوان : المتلاصق ، يقال : هو ابن أخيه صنو أبيه أي لصيق أبيه في ولادته ، وهو جمع صنو ، وقيل : الصنوان : النخلات التي أصلها واحد ـ عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم ؛ وقال الحسن رضي الله عنه : الصنوان : النخلتان أصلهما واحد ـ انتهى. وهو تركيب لا فرق بين مثناه وجمعه إلا بكسر النون من غير تنوين وإعرابها مع التنوين ، وسيأتي في يس إن شاء الله تعالى سر تسمية الكرم بالعنب.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
