فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلا ، لأنها أخلفت ظن حملها ، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها ، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم : قد أكذب ، أي عد ذلك الصياح عدما ، والمكذوبة من النساء : الضعيفة ، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدما ، والمكذوبة على القلب : المرأة الصالحة ـ كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت عدما ، وكذب الوحشي ـ إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه ، كأنه لم يصدق بالذي أنفره ، ومنه : كذب عن كذا ـ إذا أحجم عنه بعد أن أراده ، أو لأنه كذب ما ظنه عند الحملة من قتل الأقران ، وكذبك الحج أي أمكنك وكذبك الصيد مثله ، وهو يؤول إلى الحث لأن المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه ، فيكاد أن لا يوجد ، وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له ، فقد تبين حينئذ وجه كون «كذب» بمعنى الإغراء ولاح أن قوله «ثلاثة أسفار كذبن عليكم : الحج والعمرة والجهاد» معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها ، مع أنه ـ لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر ـ يكون كالظافر بها ، ويؤيده ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش : الحج مرفوع ومعناه نصب ، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال : أمكنك الصيد ، يريد : ارمه ، وقال أبو علي الفارسي في الحجة في قول عنترة :
|
كذب العتيق وماء شن بارد |
|
إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي |
وإن شئت قلت : إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على طلبه وإيجاده صار كأنه قال بقوله لها : عليك العتيق ، أي الزميه ، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها عما عداه ، فيكون العتيق في المعنى مفعولا به وإن كان لفظه مرفوعا ، مثل «سلام عليكم» ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع ، وحكى محمد بن السري رحمهالله عن بعض أهل اللغة في «كذب العتيق» أن مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به ، وقد تقدم وجه ذلك ـ انتهى. وأقرب من ذلك جدا وأسهل تناولا وأخذا أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون الحجاب ما كان لازما للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره ، فمعنى «ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم من أنفسها ، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه ، والعمرة كل السنة بزوال المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل ، والجهاد كل السنة أيضا لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها ، وتخريج مثل : كذبتك الظهائر ، وغيره على هذا بين الظهور ولا وقفة فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير ويحاول التخلص كان التعبير بهذا من باب الإغراء ، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر هذا الإمكان.
ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت ، وحث على الاعتبار بها بقوله : (أَفَلَمْ
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
