ما يوحى إليك (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) مثل ما أنك من أهل القرى ، أي الأماكن المبنية بالمدر والحجر ونحوه ، لأنها متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل ، وذلك أجدر بغزارة العقل وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي ، ومكة أم القرى في ذلك لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت ، وكان العرب كلهم يأتونها ؛ قال الرماني : وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء ـ انتهى. وذلك لأن المدن مواضع الحكمة ، والبوادي مواطن لظهور الكلمة ، ولما كانت مكة أم القرى مدينة ، وهي مع ذلك في بلاد البادية ، جمعت الأمرين وفازت بالأثرين ، لأجل أن المرسل إليها جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين ، وخاتم لجميع النبيين ـ صلىاللهعليهوسلم وعليهم أجمعين.
ومادة «قرى» ـ يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر ـ تدور على الجمع ، ويلزمه الإمساك ، وربما كان عنه الانتشار ، فالقرية ـ بالفتح ويكسر : المصر الجامع ، وأقرى : لزم القرية ، والقاري : ساكنها ، والقارية : الحاضرة الجامعة ، وطير أخضر ، إما للزومها ، وإما لجمع لونه للبصر ، والقريتين ـ مثنى وأكثر ما يتلفظ به بالياء : مكة والطائف ، وقرية النمل : مجتمع ترابها ، وقريت الماء في الحوض : جمعته ، والمقراة : شبه حوض ، وكل ما اجتمع فيه ماء ، والقريّ : ماء مستجمع ، والمدة تقرى في الجرح ـ أي تجتمع ، والقواري : الشهود ـ لجمعهم الأمور ، والقواري : الناس الصالحون ـ كأنه مخفف من المهموز ، وقريت الضيف قرى بالكسر والقصر ، وبالفتح والمد : أضفته كاقتريته ، والمقراة : الجفنة يقرى فيها الضيف ، والمقاري : القدور ، وقرى البعير وكل ما اجتر : جمع جرته في شدقه ، وقرت الناقة : ورم شدقاها من وجع الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك على جمع الجرة ، فيكون من السلب ، وقرى البلاد : تتبعها يخرج من أرض إلى أرض كاقتراها واستقرها ـ لجمعه بينها ، وقريّ الماء كغني : مسيله من التلاع ، أو موقعه من الربو إلى الروضة ـ لأنه مكان اجتماعه ، وقرى الخيل : واد ـ كأنها اجتمعت فيه ، والقرية ـ كغنية : العصا ، لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه. وبها يجمع كل ما يراد جمعه ، وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود البيت ، لأنه بها يقام فيجمع من يراد ، وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه ، لأنه يجمع الشراع ملفوفا ومنشورا ، وقريت الصحيفة لغة في قرأتها ـ إذا تلوتها فجمعت علمها وكلامها ، والقارية : أسفل الرمح ، لأنه يجمع زجه ، أو أعلاه ، لأنه يجمع عاليته ، وحد الرمح ، لأنه يجمع مراد صاحبه ، وكذا حد السيف ، والقارية ـ بالتشديد : طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر ـ كأنه رسول الغيث أو مقدمة السحاب ، جمعه قواري ، كأنه سمي بذلك لأنه
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
