شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال ، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال ، وفي سوقه معلقا هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه.
ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال ، أتبعه اللطف بالمخاطب به صلىاللهعليهوسلم فقال : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك.
ولما كان السياق ـ في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم ـ للحكمة والعلم ، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم ، قدم وصفها فقال : (حَكِيمٌ) أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضا (عَلِيمٌ) أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين ، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك.
ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم ، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافرا أو لا فقال : (وَكَذلِكَ) أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين (نُوَلِّي) أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق (بَعْضَ الظَّالِمِينَ) أي الغريقين في الظلم (بَعْضاً) أي بأن نجمع بين الأشكال ، في الأوصاف الباطنة والخصال ، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال ، والأوجاع والأنكال (بِما كانُوا) بجبلاتهم (يَكْسِبُونَ) أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض ، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم ، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها ، فيظلم بعضهم بعضا ويهلك بعضهم بعضا ، وهم لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب ؛ روى الطبراني في الأوسط عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله عزوجل يقول : أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصيّر كلّا إلى النار (١)» وعن مالك بن دينار قال : رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول : أفني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي. أو يقال : فقد أخبرنا أن الله عزوجل ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم ، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضا ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوىء الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك
__________________
(١) ضعيف. أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٧ / ٢٨٩ (١٢٢٥٦) من حديث جابر.
وقال الهيثمي : وفيه أحمد بن بكر البالسي ، وهو ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
