بالحمد فقال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ) ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات ترابا واختلاط تراب الكل بعضه ببعض وبتراب الأرض ، فيتعذر التمييز ، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط أجزائه بالماء أعسر من تمييز التراب قال : (مِنْ طِينٍ) أي فميز طينة كل منكم ـ مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره ـ من طينة الآخر بعد أن جعلها ماء ثخينا له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر.
ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة ، نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال : (ثُمَّ قَضى) أي حكم حكما تاما وبتّ وأوجد (أَجَلاً) أي وقتا مضروبا لانقضاء العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيرا كان أو شريرا ، قويا كان أو ضعيفا ، من أجل يأجل أجولا ـ إذا تأخر ، وجعل تلك الآجال ـ مع كونها متفاوتة ـ متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصفة مغائرة لها ، وفاعل ذلك لا يكون إلا واحدا فاعلا بالاختيار.
ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من الآجال المتفاوتة ، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل ، لأن ذكر البداية يستدعي ذكر النهاية ، فقال مشيرا إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير : (وَأَجَلٌ) أي عظيم (مُسَمًّى) أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد ، يتساوى فيه الكل ، وستر علمه عن الكل كما أشار إليه بالتنكير ، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد ، لا متعدد ، وإلا لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه ، وإلا لعلا بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض بالبعض ـ سبحان الله وتعالى عما يصفون ، وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه! ويؤكده إثبات قوله : (عِنْدَهُ) في هذه الجملة وحذفها من الأولى هنا وفي قوله (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى) [الأنعام : ٦٠] ، وقدم المبتدأ مع تنكيره ـ والأصل تأخيره ـ إفادة لتعظيمه.
ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة ، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة الافتعال فقال : (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء ، بتقليد الآباء ، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع الضياء ، وهذه الآية نظير آية الروم (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) [الروم : ٨] أي كيف خلقهم الله من طين ، وسلط بعضهم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
