معنى الإيتاء ، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم ، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له : سلم ما بيدك لصاحب الهراوة ، فنزع ملك الملوك من الأكاسرة والقياصرة وخوّله قريشا ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا ، إلى ما يتم به الأمر في الختم ، والعز ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ عزة الله سبحانه وتعالى لأهله ولآل نبيه صلىاللهعليهوسلم والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته وأبنائهم وذرياتهم الذين سلبهم الله ملك الدنيا فحلاهم بعز الآخرة وبعزة الدين كما قال سبحانه وتعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون : ٨] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) [فاطر : ١٠] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء ، أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين ، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار ، لا يجدون وحشة ، ولا يحصرون في محل ، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا ، استتروا أو اشتهروا ، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهرا ، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم ، محصورون في أقطار ممالكهم ، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين ، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها ، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك ، والله عزوجل يقول : «إن عبدا أصححت له جسمه ، وأوسعت عليه في رزقه ، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم» (١) فالملوك مملوكون بما ملكوا ، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا ، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صادّ ، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحانه وتعالى ، فقارض الله أهل بيت نبيه صلىاللهعليهوسلم ورضي عنهم ، ومن لم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين ، والذل مقابل ذلك العزة ، فإذا كان ذلك العز عزا دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك كان هذا الذل ـ والله تعالى أعلم ـ
__________________
(١) جيد. أخرجه عبد الرزاق ٨٨٢٦ وابن حبان ٣٧٠٣ والبيهقي ٥ / ٢٦٢ والخطيب في تاريخه ٨ / ٣٢٨ كلهم من حديث أبي سعيد الخدري. وإسناده على شرط مسلم.
وذكره الهيثمي في المجمع ٣ / ٢٠٦ وقال : رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال الجميع رجال الصحيح ا ه.
وورد من حديث أبي هريرة بلفظ : «قال الله تعالى : إن من أصححته ووسعت عليه ، ولم يزرني في كل خمسة أعوام عاما لمحروم» أخرجه ابن عدي في الكامل ٤ / ٧٨ والبيهقي ٥ / ٢٦٢ والعقيلي في الضعفاء ٢ / ٢٠٦ ، ٢٠٧ وفي إسناده صدقة بن يزيد ضعفه أحمد وقال أبو حاتم : صالح وقال أبو زرعة : ثقة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
