بناتكم ، وأخرب منازلكم ، وأفرقكم بين الأمم ، وتخرب قراكم ، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها ، وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة لا تسبتون ، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة ، ويطردهم صوت ورقة تحرك ، ويهربون من صوت الورقة كما يهربون من السيف ، ويعنفون بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم ، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف.
ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم ، قال مستأنفا جوابا لمن يسأل عن ذلك : (مِنْهُمْ) أي أهل الكتاب (أُمَّةٌ) أي جماعة هي جديرة بأن تقصد (مُقْتَصِدَةٌ) أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير ، وهم الذين هداهم الله للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ) أي بني إسرائيل (ساءَ ما يَعْمَلُونَ) أي ما أسوأ فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده ، ففيه معنى التعجيب ، والتعبير بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم ، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه ، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله.
ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد ، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلا ، ومن أقام ما أنزل عليه سعد ، ومن كفر بشيء منه شقي ، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ ، قرن بقوله تعالى (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [المائدة : ٤١] قوله حاثا على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة ، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلا ، وكذا إبلاغ جميع من عداهم : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) أي الذي موضوع أمره البلاغ (بَلِّغْ) أي أوصل إلى من أرسلت إليهم (ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي كله (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحدا ، ولا خائف شيئا ، لتعلم ما لم تكن تعلم ، ويهدي على يدك من أراد الله هدايته ، فيكون لك مثل أجره.
ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية ، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها ، بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال : (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أي وإن لم تبلغ جميع ذلك ، أو إن لم تعمل به (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل ، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل ، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض ، فمن أغفل شيئا منها فكأنه أغفل الكل ، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر ، فكانت لذلك في حكم شيء واحد ، والمعنى : فلنجازينك ، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالا له صلىاللهعليهوسلم وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل ، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
