بعده ، فصدقتموهم في جميع ما يأمرونكم به (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع ، والتعزير والتأزير من باب واحد.
ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال : (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ) أي الجامع لكل وصف جميل (قَرْضاً حَسَناً) أي بالإنفاق في جميع سبل الخير ، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء.
ولما كان الإنسان محل النقصان ، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صالح العمل ، قال سادّا. بجواب القسم الذي وطّأت له اللام الداخلة على الشرط ـ مسدّ جواب الشرط : (لَأُكَفِّرَنَ) أي لأسترن (عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) أي فعلكم لما من شأنه أن يسوء (وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ) أي فضلا مني (جَنَّاتٍ تَجْرِي) ولما كان الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال : (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي من شدة الريّ (فَمَنْ كَفَرَ) ولما كان الله سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولا. وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله ، نزع الجار فقال : (بَعْدَ ذلِكَ) أي الشرط المؤكد بالأمر العظيم الشأن (مِنْكُمْ) أي بعد ما رأى من الآيات وأقرّ به من المواثيق (فَقَدْ ضَلَ) أي ترك وضيّع ، يستعمل قاصرا بمعنى : حار ، ومتعديا كما هنا (سَواءَ) أي وسط وعدل (السَّبِيلِ) أي لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره ، وفي هذا تحذير شديد لهذه الأمة ، لأن المعنى : فإن نقضتم الميثاق ـ كما نقضوا ـ بمثل استدراج شاس بن قيس وغيره ، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا ، من إلزامهم الذلة والمسكنة وغير ذلك من آثار الغضب ، وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من فتح البلاد والظهور على سائر العباد ؛ قال ابن الزبير : ولهذا الغرض والله أعلم ـ أي غرض التحذير من نقض العهد ـ ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) [البقرة : ٤٠] فقال تعالى : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) إلى قوله (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) [المائدة : ١٢] ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) [النساء : ٥٥ والمائدة : ١٣] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) [المائدة : ١٤] ، ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا ، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة ، وإسرافهم في القتل وغيره ، وتغييرهم أحكام التوراة ـ إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة ، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا) [المائدة : ٨٢] انتهى. وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم وما دعي إلى
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
