الطيب ، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر ، من ذوي الطباع السليمة مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس ، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها ، وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم (وَما) وهو على حذف مضاف للعلم به ، فالمعنى : وصيد ما (عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) أي التي من شأنها أن تجرح ، أو تكون سببا للجرح وهو الذبح ، أو من الجرح بمعنى الكسب (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) [الأنعام : ٦٠] وهو كواسب الصيد من السباع والطير ، فأحل إمساكها للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم ، قال الشافعي : والكلب لا يصير معلما إلا عند أمور : إذا أشلى استشلى ، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل ، وإذا دعي أجاب ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم يذكر حدا لأن الاسم إذا لم يكن معلوما من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف ، وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم ، لأن التأديب فيها أكثر فقال : (مُكَلِّبِينَ) أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ذلك ، قالوا : وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريرا في علمه موصوفا به ، وأكد ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال : (تُعَلِّمُونَهُنَ) وحوشا كنّ أو طيورا (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب ، فأفاد ذلك أن على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النجارين إبهامه! ثم سبب عن ذلك قوله : (فَكُلُوا).
ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال : (مِمَّا أَمْسَكْنَ) أي الجوارح مستقرا إمساكها (عَلَيْكُمْ) أي على تعليمكم ، لا على جبلتها وطبيعتها دون تعليمكم ، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ذكاته ، وأما ما أمسك الجارح على أي مستقرا على جبلته وطبعه ، ناظرا فيه إلى نفاسة نفسه فلا يحل (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) أي الذي له كل شيء ولا كفوء له (عَلَيْهِ) أي على ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ذكاته ، لتخالفوا سنة الجاهلية وتأخذوه من مالكه ، وقد صارت نسبة هذه الجملة ـ كما ترى ـ إلى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة : ٣] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه ، وإلى مفهوم غير محلي الصيد وأنتم حرم نسبة الشرح.
ولما كان تعليم الجوارح أمرا خارجا عن العادة في نفسه وإن كان قد كثر ، حتى صار مألوفا ، وكان الصيد بها أمرا تعجب شرعته وتهز النفوس كيفيته ، ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار الاستحقاق من
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
