وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين ، وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبين ، ويقدح في رجاء قصر مدته ، ويوجب الحزن على ذلك ، قال تعالى قاصرا الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم : (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ) أي يسرعون إسراع من يسابق خصما (فِي الْكُفْرِ) ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ) أي الذي له جميع العظمة (شَيْئاً) أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به ، وحذف المضاف تفخيما له وترغيبا فيه حيث جعله هو المضاف إليه.
ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جوابا : (يُرِيدُ اللهُ) أي الذي له الأمر كله (أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) أي نصيبا (فِي الْآخِرَةِ) ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله : (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) قد عم جميع ذواتهم ، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم.
ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ) أي فأخذوه (بِالْإِيْمانِ) أي فتركوه ، وأكد نفي الضرر وأبده فقال : (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ) أي الذي لا كفوء له (شَيْئاً) لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله ، وختمها بقوله : (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد.
ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سببا للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بالله ورسوله (أَنَّما نُمْلِي) أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا (لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال : (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ) أي استدراجا (لِيَزْدادُوا إِثْماً) وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه ، فإذا بلغ النهاية أوجب الأخذ. ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي ؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه وتعالى : (وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ*.)
(ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
