سلامة الحاسة وكون المرئي يصح أن يرى. لان باقي الشرائط التي تقدمت يستحيل تحققها في حقه تعالى ، كالكثافة ووقوع الضوء وغير ذلك ، وكلما حصلت الشرائط وجبت الرؤية ، وبيانه كما تقدم.
وفي هذا الوجه نظر : لجواز أن يكون ادراكه تعالى مشروطا بشرط زائد على شرائط الجواهر والاعراض ، فيتوقف ادراكه على حصوله ، وذلك غير حاصل الآن ، فلذلك لم نره.
الثالث : قوله تعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) والمراد بادراك الابصار هو الرؤية ، لاقتران الادراك بالبصر ، والا لجاز اثبات الرؤية مع عدم الادراك ، وهو باطل بالضرورة.
وحينئذ نقول : تمدح بنفي الادراك البصري له ، فيكون اثباته له من شخص أو في وقت من الاوقات محالا.
أما المقدمة الاولى فلانه وقع بين مدحين ، لان قبله (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) وبعده (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١) ووقوع ما ليس بمدح بين مدحين ركيك ، تمتنع على الحكيم التكلم به ، كما يقال : فلان زاهد عابد عالم طويل شجاع كريم جواد.
وأما المقدمة الثانية فلان التمدح انما يكون بصفات الكمال ، فيكون نقيضه نقضا بالنسبة الى كل الاشخاص وفي كل الاوقات ، فلو ثبت لشخص أو في وقت لكان النقض متوجها إليه تعالى ، وهو محال. فظهر أن هذه الآية سالبة كلية دائمة ، فلا يصح أن يرى أبدا في الدنيا ولا في الآخرة.
الرابع : قوله تعالى (لَنْ تَرانِي) (٢) ووجه ذلك أن موسى عليهالسلام لما سأل
__________________
(١) سورة الانعام : ١٠٣.
(٢) سورة الاعراف : ١٤٣.
