الجارية الناعمة إنما سميت رؤدا من هذا ، وترأد : اهتز نعمة ، وزيد : قام فأخذته رعدة ، والغصن : تفيأ ، والعنق : التوى ـ كله من الدوران وما يلزمه من الاضطراب ، ورئد الإنسان : صديقه ، لأنه يراوده ويداوره ، والرأدة : أصل اللحى ، وهو أصول منبت الأسنان ، وهو العظم الذي يدور فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين ؛ ومن الرفق والمهلة : الرؤدة ـ بالضم ، وهي التؤدة.
ولما أعلمنا سبحانه أنه رغبهم في شأن أخيه ، ورهبهم بالقول ، أعلمنا بأنه رغبهم فيه بالفعل ، فقال عاطفا على قوله الماضي لهم : (وَقالَ) أي يوسف عليه الصلاة والسّلام شفقة على إخوته وإرادة لنصحهم فيما سألهم فيه : (لِفِتْيانِهِ) أي غلمانه ، وأصل الفتى : الشاب القوي ، وسيأتي شرحه عند قوله تعالى : (تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ) أي ما بضعوه أي قطعوه من مالهم للتجارة وأخذناه منهم ثمنا لطعامهم الذي دفعناه لهم (فِي رِحالِهِمْ) أي عدولهم ؛ والرحل : ما أعد للرحيل من وعاء أو مركب (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) أي بضاعتهم ؛ وعبر بأداة التحقق تفاؤلا لهم بالسلامة ، أو ظنا ، أو علما بالوحي ، فقال : (إِذَا انْقَلَبُوا) راجعين (إِلى أَهْلِهِمْ) أي يعرفون أنها هي بعينها ، رددتها عليهم إحسانا إليهم ، ويجزمون بذلك ، ولا يظنون أن الله أخلف عليهم مثلها نظرا إلى حالهم وكرامة لأبيهم ، ويعرفون هذه النعمة لي و (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجع إلينا إذا عرفوها ، لردها تورعا ، أو للميرة بها إن لم يكن عندهم غيرها ، أو طمعا في مثل هذا ، وإنما لم يبادر إلى تعريفهم بنفسه والتعجيل بإدخال السرور على أبيه ، لأن ذلك غير ممكن عادة ـ لما يأتي من الحكم البالغة والتدبير المتين ، ودل على إسراعهم في الرجوع بالفاء فقال : (فَلَمَّا رَجَعُوا) أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام (إِلى أَبِيهِمْ) حملهم ما رأوا ـ من إحسان الصديق وحاجتهم إليه وتبرئتهم لأنفسهم عن أن يكونوا جواسيس ـ على أن (قالُوا يا أَبانا).
ولما كان المضار لهم مطلق المنع ، بنوا للمفعول قولهم : (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) لأخينا بنيامين على بعيره لغيبته ، ولنا كلنا بعد هذه المرة إن لم نذهب به معنا ليظهر صدقنا ؛ والمنع : إيجاد ما يتعذر به على القادر الفعل. وضده : التسليط ، وأما العجز فضده القدرة (فَأَرْسِلْ) أي بسبب إزالة هذا المنع (مَعَنا أَخانا) إنك إن ترسله معنا (نَكْتَلْ) أي لنفسه كما يكتال كل واحد منا لنفسه ـ هذا على قراءة حمزة والكسائي بالتحانية ، ولنؤوله على قراءة الجماعة بالنون ـ من الميرة ما وظفه العزيز ، وهو لكل واحد حمل ، وأكدوا لما تقدم من فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسّلام مما يوجب الارتياب بهم ، فقالوا : (وَإِنَّا لَهُ) أي خاصة (لَحافِظُونَ) أي عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
