ومن جوابهم عما لعلهم يقولون للعرب بهتا وحسدا «لو كان نبيا ما قال : أخبركم غدا ، وتأخر عن ذلك» بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهماالسلام بالصبر ، وبما خفي عليه مما اطلع عليه الخضر عليهماالسلام ، فقال تعالى عاطفا على قوله سبحانه (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ) : (وَإِذْ) أي واذكر لهم حين (قالَ مُوسى) أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل ، أي قوله الذي كان في ذلك الحين (لِفَتاهُ) يوشع بن نون عليهماالسلام : (لا أَبْرَحُ) أي لا أزال سائرا في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله ـ كما دل عليه ما يأتي (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي ، فتعينت البداءة به فألقاه ثمّ (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعدا لي في لقائه ؛ والحقب ـ قال في القاموس ـ ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون ـ انتهى. وما أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه الله بالقلم وما يسطرون ، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب ، فسارا وتزودا حوتا مشويا في مكتل كما أمرا به ، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع (فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما) أي البحرين ، فلم يكن هناك بين أصلا لصيرورتهما شيئا واحدا (نَسِيا حُوتَهُما) فلم يعلم موسى عليهالسلام شيئا من حاله ونسي أن يسأل عنه ، وعلم يوشع عليهالسلام بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له (فَاتَّخَذَ) أي الحوت معجزة في معجزة (سَبِيلَهُ) أي طريقه الواسع الواضح (فِي الْبَحْرِ سَرَباً) أي خرقا في الماء غير ملتئم ، من السرب الذي هو جحر الوحشي ، والحفير تحت الأرض ، والقناة يدخل منها الماء الحائط. وقد ورد في حديثه في الصحيح (١) أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء ، فصار طاقا لا يلتئم. ويوشع عليهالسلام ينظر ذلك ، وكأن المجمع كان ممتدا ، فظن موسى عليهالسلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار (فَلَمَّا جاوَزا) أي موسى وفتاه عليهماالسلام ذلك الموضع من المجمع تعب ، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزة أخرى ، فلما جاع وتعب (قالَ لِفَتاهُ آتِنا) أي أحضر لنا (غَداءَنا) أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء ، ولذلك وصل به قوله تعالى : (لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا) أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة ، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى : (هذا نَصَباً) وكان الحوت زادهم فلم يكن معه ، فكأنه قيل : فما كان عن أمره؟ فقيل : (قالَ) لموسى عليهالسلام معجبا له : (أَرَأَيْتَ) ما دهاني؟ (إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي بمجمع البحرين (فَإِنِّي) أي بسبب أني (نَسِيتُ الْحُوتَ) أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك ؛ ثم زاد
__________________
(١) سيأتي ذكر ذلك وهو المتقدم آنفا.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
