أنك سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص ، فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه ، فقال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : «يحشر الله عزوجل الناس ـ أو قال : العباد ـ حفاة عراة بهما قلت : وما بهما؟ قال : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة ، قال : قلنا : كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما؟ قال : بالحسنات والسيئات» (١).
ولما ذكر البعث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه ، أتبعه ـ بما له من الفضل ـ بابتداء الخلق الذي هو دليله ، في سياق مذكر بولايته الموجبة للإقبال عليه ، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه ، مبين لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر على آدم عليهالسلام بأصله ، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم وعشائرهم ، فكان فعلهم فعله سواء ، فكان قدوتهم وهو عدوهم ، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهم أعرف الناس به ، فقال تعالى عاطفا على (وَاضْرِبْ) : (وَإِذْ) أي واذكر لهم إذ (قُلْنا) بما لنا من العظمة (لِلْمَلائِكَةِ) الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم ، قال ابن كثير : وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك ، ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة (اسْجُدُوا لِآدَمَ) أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها (فَسَجَدُوا) كلهم (إِلَّا إِبْلِيسَ) فكأنه قيل : ما له لم يسجد؟ فقيل : (كانَ) أي لأنه كان (مِنَ الْجِنِ) المخلوقين من نار ، ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق ، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور ، مع ما كان غلب عليه من العبادة ، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم : «خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان ـ وفي رواية : إبليس ـ من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم» (٢). وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن كانت قبيلة من الملائكة.
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٤٩٥ عن جابر رضي الله تعالى عنه وفيه المكي وهو ضعيف وقد وثق انظر الميزان ٣ / ٣٧٥ وفيه عبد الله بن محمد ضعيف كما في الميزان ٢ / ٤٨٤ وللحديث شواهد وسيأتي بعضها في هذا الكتاب.
(٢) أخرجه أحمد ٦ / ١٥٣ مسلم ٢٩٩٦ وابن حبان ٦١٥٥ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
