ذي لب إليه ، فإن كان ل «قل» فهو تسلية له صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير ، فقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني ـ وهو العلم في الحقيقة من أيّ مؤت كان ، حاث على الإيمان بهذا القرآن ، وتنبيها على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور ، واطمأنت بها النفوس ، وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم ـ فعلمه كلا علم بل هو أجهل الجهلة ، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الزمر.
ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمنا يسيرا نفعه ، أدخل الجار فقال مرغبا في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن : (مِنْ قَبْلِهِ) أي قبل إنزاله ممن آمن من بني إسرائيل الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعا لكم وتثبيتا لكونكم أقبلتم عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق : (إِذا يُتْلى) أي من أيّ تال كان (عَلَيْهِمْ) في وقت من الأوقات ، ينقلهم من حال إلى حال ، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال ، إلى أعلى الرتب ، بأنهم (يَخِرُّونَ) أي يسقطون بسرعة ؛ وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى : (لِلْأَذْقانِ) باللام دون إلى أو على ، دالا بالأذقان على أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار ، وأول ما يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه ، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته ـ فإن الإنسان مجبول بالطبع على صيانة وجهه ، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في وجهه إلى الأرض حال السقوط ، ولهذا قال شاعرهم : فخر سريعا لليدين وللفم.
ثم بين أن ذلك ليس سقوطا اضطراريا من كل جهة بقوله تعالى : (سُجَّداً) أي يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف ، وما في قلوبهم من الإذعان ، والخشية للرحمن (وَيَقُولُونَ) أي على وجه التحديد المستمر : (سُبْحانَ رَبِّنا) أي تنزه الموجد لنا ، المدبر لأمورنا ، المحسن إلينا ، عن شوائب النقص ، لأنه وعد على ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ووعده الحق ، فلا بد أن يكون ، ووعد أن يأتي بهذا الكتاب على لسان هذا النبي العربي ، وأوصل هذا الوعد إلينا في الكتب السالفة فأنجز ما سبق به وعده (إِنْ) أي إنه (كانَ) أي كونا لا ينفك (وَعْدُ رَبِّنا) أي المحسن إلينا بالإيمان ، وما تبعه من وجوه العرفان (لَمَفْعُولاً) دون خلف ، ولا بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب والعقاب ، وهو تعريض بقريش حيث كانوا يستهزئون بالوعيد في قولهم (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً) ونحوه مما معناه الطعن في قدرة الله
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
