ما كان انتصب إليه عند الشروق ، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالبا في تفيئه جهة اليسار ، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيها على ذلك ، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء.
ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب ، جمع بالنظر إلى معنى (ما) في قوله : (سُجَّداً) أي حال كونهم خضعا (لِلَّهِ) أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم.
ولما كان امتداد الظل قسريا لا يمكن أحدا الانفصال عنه ، قال جامعا بالواو والنون تغليبا : (وَهُمْ داخِرُونَ) ذلا وصغارا ، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه ، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره ، والتغير دال على المغير.
ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان ، وكان الحيوان أشرف من الجماد ، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى : (وَلِلَّهِ) أي الذي له الأمر كله (يَسْجُدُ) أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية ، وعبر بما هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى : (ما فِي السَّماواتِ) ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي ، أعاد الموصول فقال تعالى : (وَما فِي الْأَرْضِ) ثم بين ذلك بقوله تعالى : (مِنْ دابَّةٍ) أي عاقلة وغير عاقلة.
ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه ، قال مبينا لخضوع المقربين تخصيصا لهم وإن كان الكلام قد شملهم : (وَالْمَلائِكَةُ).
ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفا لظاهره ، قال ـ دالا على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرها ، وعبر عن السجودين : الموافق للأمر والإرادة طوعا ، والموافق للارادة المخالف للأمر كرها ، بلفظ واحد ، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ : (وَهُمْ) أي الملائكة (لا يَسْتَكْبِرُونَ) ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء : (يَخافُونَ رَبَّهُمْ) أي الموجد لهم ، المدبر لأمورهم ، المحسن إليهم ، خوفا مبتدئا (مِنْ فَوْقِهِمْ) إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم ، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت ، فهو المخوف المرهوب ، فهم عما نهوا عنه ينتهون (وَيَفْعَلُونَ) أي بداعية عظيمة علما منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك ، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى : (ما يُؤْمَرُونَ) فهم لرحمته لهم يرجون ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر الخوف أولا دال على الرجاء ثانيا ، وذكر الفعل ثانيا دال على الانتهاء أولا.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
