وقال تعالى : (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) وكان هذا يزيد إيضاحا قوله عزوجل : (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) [إبراهيم : ٤٢] وقوله : (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ) وقوله : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) [إبراهيم : ٤٨] الآية ؛ وتأمل نزول قوله : (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله ، وأما افتتاح السورة بقوله : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) فإحالة على أمرين واضحين : أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر ، والثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل والغيوب والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضا ، فكيف لا يكون المتوعد به في قوة الواقع المشاهد ، لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من التوقف والتكذيب! ثم أعقب هذا بقوله (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) انتهى.
ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل ، وكان من المعلوم جدا من أحوالهم الاستعجال بالعذاب تكذيبا واستهزاء ، كان الكلام في قوة أن يقال : فقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر! عجل لنا ما تتوعدنا به ، وكان هذا غائظا موجعا حاملا على تمني سرعة الإيقاع بهم ، فقيل في الجواب : إن لهم أجلا بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له ، لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا يهمل ، لأنه لا يبدل القول لديه ، فليستعدوا فإن الأمر غيب ، فما من لحظة إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيها العذاب ، فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم المعلوم (وَما) جعلنا هذا خاصا بهم ، بل هو عادتنا ، ما (أَهْلَكْنا) أي على ما لنا من العظمة ، وأكد النفي فقال : (مِنْ قَرْيَةٍ) أي من القرى.
ولما كان السياق للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به ، وكان تقديره سبحانه وكتبه من عالم الغيب ، اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ منه سابق تقديره على زمن الإهلاك ، فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه ، والتي بالواو هي زيادة في الخبر السابق ، ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في العطف ، فقال : (إِلَّا وَلَها) أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها (كِتابٌ مَعْلُومٌ) أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ ، أو يكون التقدير : فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم : هل يودون الإسلام أم لا؟ ثم بين الآية السابقة بقوله : (ما تَسْبِقُ) وأكد الاستغراق بقوله : (مِنْ أُمَّةٍ) وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله : (أَجَلَها) أي الذي قدرناه لها (وَما يَسْتَأْخِرُونَ) أي عنه شيئا من الأشياء ، ولم يقل : تستأخر ـ حملا على اللفظ كالماضي ، لئلا يصرفوه إلى خطابه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم تعنتا.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
