يصح دعاؤه (إِلَى اللهِ) الحائز لجميع الكمال حال كوني (عَلى بَصِيرَةٍ) أي حجة واضحة من أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على الغباوة والجمود ، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل دينا ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين.
ولما كان الموضع في غاية الشرف ، أكد الضمير المستتر تعيينا وتنبيها على التأهل لظهور الإمامة ، فقال (أَنَا وَمَنِ) أي ويدعو كذلك من (اتَّبَعَنِي) لا كمن هو على عمى جائر عن القصد ، حائر في ضلال التقليد ، فهو لا يزال في غفلة هدفا للحتوف ؛ والاتباع : طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في مكانه أو في أمره الذي دعا إليه ، ومما دخل تحت (قُلْ) عطفا على (أَدْعُوا) قوله : منبها على أن شرط كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل شائبة نقص ـ (وَسُبْحانَ اللهِ) أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحانا ، أي أقدره حق قدره فأثبت له من صفات الكمال ما يليق بجلاله ، وأنزهه عما هو متعال عنه تنزيها يعلم هو أنه يليق بجلاله ويرضى به ، وفي تخصيص الله بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح بنسبة النقص إليهم تواضعا ، اعتذارا عما يلحقهم من الوهن وطلبا للعفو عنه (وَما أَنَا) وعدل عن «مشركا» إلى أبلغ منه فقال : (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي في عداد من يشرك به شيئا بوجه من الوجوه ، لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه منعوت بنعوت الكمال ، منزه عن سمات النقص ، متعال عنها ، وأن ذلك أول واجب لأنه الواحد الذي جل عن المجانسة ، القهار الذي كل شيء تحت مشيئته ، وفسرت (سُبْحانَ) بما تقدم لأن مادة «سبح» بكل ترتيب تدور على القدر والشدة والاتساع ؛ وتارة يقتصر فيه على الكفاية ومنه الحسب : مقدار الشيء. وتارة يقتصر فيه على الكفاية فيلزمه الحصر ومنه : أحسبني الشيء : كفاني ، واحتساب الأجر : الاكتفاء به ، والحساب : معرفة المقدار ، والحسب بمعنى الظن راجع إلى ذلك أيضا ، والأحسب : الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت شعرته ، بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه داء ، والتحسيب : التكفين بما يسع الميت ، وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى شيء ، ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة الكفاية ؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع مداه فلا ينحصر ومنه : الحسب ـ بالتحريك ، وهو الشرف ؛ ومنه السحب وبه سمي السحاب لا نسياحه في الهواء ؛ ومنه السبح في الماء ، ومد الفرس يديه في الجري ، والسبحة : صلاة التطوع ـ لأنه لا حد لها يحصرها ، ولأنها تجاوزت الفرض ، والسبح : الفراغ ـ للتمكن معه من الانبساط ، والتسبيح : التنزيه ـ لأنه الإبعاد عن النقص ، قال الرماني : وأصله البراءة من الشيء ، وقال ابن مكتوم في الجمع بين
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
