ويشهد لكون الإرادة من الأفعال المستندة إلى قدرة العبد ؛ أنّ الإنسان قد يتطلّب معرفة صلاح الفعل ليحدث له إرادة به ، وقد يتعرّف فساده بعد وجودها فيزيلها بمعرفة فساده ، وإن كانت جازمة فإنّها قد تكون فعلية والمراد استقباليا ، فالقدرة في المقامين على الإرادة حاصلة من القدرة على أسبابها كسائر أفعال القلب ، فكلّ فعل باطني مقدور للإنسان حدوثا وبقاء وزوالا.
فثبت أنّ الإرادة ومقدّماتها ـ أعني : تصوّر المراد والتصديق بمصالحه والرضا به من الجهة الداعية إليه ـ مقدورة للعبد ، ومن أفعاله المستندة إليه.
نعم ، ربّما يكون بعض مقدّمات الإرادة من الله تعالى ، وبذلك تحصل الإعانة من الله تعالى لعبده ، كما تحصل بتهيئة غيرها من مقدّمات الفعل ، وعليه يحمل
قول إمامنا الصادق عليهالسلام : « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » (١).
فإنّه لا يبعد أنّ المراد بالأمر بين الأمرين دخل الله سبحانه في أفعال العباد ، بإيجاد بعض مقدّماتها ، كما هو واقع في أكثر المقدّمات الخارجية ، التي منها تهيئة المقتضيات ورفع الموانع.
فحينئذ لا يكون العبد مجبورا على الفعل ولا مفوّضا إليه بمقدّماته ، وبذلك يصحّ نسبة الأفعال إلى الله تعالى.
فإنّ فاعل المقدّمات ، لا سيّما الكثيرة القريبة إلى الفعل قد يسمّى
__________________
(١) الكافي ١ / ١٧٩ ح ٤٠٦ ، عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ / ١٤١ ، التوحيد ـ للصدوق ـ : ٣٦٢ ح ٨ ، الاحتجاج ٢ / ٤٩٠.
![دلائل الصدق لنهج الحق [ ج ٣ ] دلائل الصدق لنهج الحق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F250_dalael-alsedq-03%2Fimages%2Fcover.gif&w=640&q=75)
