إذ ليس ذلك بسماع من المتكلّم ما يفيد أنّي أردت من هذا اللفظ هذا المعنى ، بل مرجعه إلى إعمال قواعد الظهور وقرائن المقام ونحوها ممّا يفيد أنّ المتكلّم أراد بهذه اللفظة ذلك المعنى ، وهو من الأُمور الاجتهادية ، نعم هي قريبة من الإحساس على وجه يقلّ فيها الخطأ ، بخلاف استنباط الوضع وكون اللفظ موضوعاً لذلك المعنى ، فإنّه موقوف على مقدّمات أُخر مثل التبادر ونحوه ممّا يذكرونه في علائم الوضع.
ومع ذلك فإنّ خطأهم في تعيين موارد الاستعمال كثير لا يحصى ، فكثيراً ما يشتبهون ويخلطون بين المصداق والمفهوم ، فالمتكلّم يستعمل اللفظ في مصداق ينطبق عليه أحد المفاهيم ، وهم يتخيّلون أنّه قد استعمله في ذلك المفهوم ، ويعدّون ذلك المفهوم من موارد الاستعمال. ويخلطون أيضاً في المتلازمات ، فالمتكلّم يستعمل اللفظ في أحد المتلازمين وهم يتخيّلون أنّه استعمله في الملازم الآخر وهكذا ، فعلى الفقيه أن يجتهد بنفسه في ذلك ويتتبّع موارد الاستعمال ، ويجتهد في الحكم بما أراده المتكلّم ، ولا يعتمد على نقل الواحد والاثنين منهم ، بل عليه مراجعة جميع ما يتيسّر لديه من كتب اللغة ، ولا يكفيه المتأخّر والمتقدّم ، لأنّهم غالباً يأخذ بعضهم عن بعض.
أمّا اجتهاد الفقيه في تعيين الحقيقة والمجاز وتمييز الاشتراك المعنوي عن اللفظي والترادف عن التلازم أو التداخل في المفاهيم بعضها مع بعض ، فذلك مزلقة أُخرى يحتاج إلى فلسفة في اللغة ولطف قريحة وحسن سليقة ، ولابدّ من ضمّ لطف القريحة وحسن السليقة إلى الدقّة والفلسفة وإلاّ كان معوجّ الطريقة ، ومن هنا قيل : إنّ الفقيه متّهم في حدسه. ومن الله سبحانه وتعالى العصمة والتوفيق إلى الطريقة الوسطى.
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
