والحاصل : أنّ للمصلحة الواقعية اقتضاءين طوليين : الأوّل : جعل الحكم على طبقها ، وهذا لا محيص عنه ، ولا يزاحمه المصلحة التسهيلية. الثاني : إيجاب الاحتياط في مورد الجهل بالواقع ، وهذا المقدار من الاقتضاء هو الذي يتزاحم مع مصلحة التسهيل ، فإن كان ذلك هو الأقوى أوجب الاحتياط ، وإن كان الأقوى هو مصلحة التسهيل أوجب الترخيص ، ولا يكون الموقع له في خلاف الواقع إلاّ جهله بناءً على حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان ، ولا يكون الترخيص الشرعي إلاّعبارة عن عدم جعل الاحتياط الذي هو وارد على ذلك الحكم العقلي ولا يكون الرفع حينئذ إلاّمن قبيل الدفع ، وإنّما سمّي رفعاً بالنظر إلى وجود المقتضي للاحتياط الذي هو المصلحة الواقعية ، كما حقّق في محلّه (١) في بيان حديث الرفع.
وينبغي أن يعلم أنّ الاحتياج إلى هذا التكلّف إنّما هو في الموارد التي يكون الأمر بالاحتياط فيها حاكماً على ما ينفي التكليف أعني أصالة البراءة ، أمّا ما يكون النافي فيها حاكماً على الاحتياط مثل تأخير البيان عن وقت الحاجة ، التي يكون المرجع فيها هو الأُصول اللفظية الحاكمة على الاحتياط ، فلا يكون الأمر بالاحتياط نافعاً فيها ، لأنّ المكلّف يقدّم الأصل اللفظي لكونه حاكماً على الاحتياط ، وهكذا الحال فيما لو كان المورد في حدّ نفسه مورداً لاستصحاب عدم التكليف ، فإنّ الأمر بالاحتياط أيضاً لا يكون مؤثّراً.
__________________
(١) راجع فوائد الأُصول ٣ : ٣٣٦ وما بعدها ( الأمر الأوّل ) وراجع أيضاً حواشي المصنّف قدسسره الآتية في المجلّد السابع من هذا الكتاب ، الصفحة : ١١٤ وما بعدها.
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
