في الباقي ، لم يندفع المحذور السابق من لزوم اختلال النظام ، أو لا أقل من لزوم العسر والحرج ، فلم يكن بدّ من الالتزام بجعل الحجّية لتلك الطرق ، سواء أفادت العلم أو لم تفده ، وهو وإن لزم منه فوات بعض المصالح أو الوقوع في بعض المفاسد ، إلاّ أنّ ذلك قهري لا محيص عنه إلاّبالاحتياط الكلّي الذي عرفت أنّه لابدّ من إسقاطه ، فلا يكون إسقاطه والأمر بالعمل بالطرق المذكورة إلاّمن قبيل التخلّص عن الأفسد بما فيه فساد في الجملة ، وليس ذلك موجباً للكسر والانكسار في المصالح الواقعية كي يكون راجعاً إلى تصويب المعتزلة ، وفي الحقيقة أنّ التزاحم إنّما هو في الطريق الموصل إلى الواقع ، أعني إيجاب الاحتياط الكلّي أو إيجاب العمل بالطرق المزبورة ، وحيث إنّ الأوّل أفسد من الثاني كان المتعيّن عند الحكيم هو الثاني ، ويتلو الاحتياط الكلّي في الأفسدية بل هو عينه أن يوجب الشارع العمل بالطرق المثبتة وإسقاط النافية والعمل على الاحتياط فيها.
ومن ذلك يظهر لك أنّه لا حاجة إلى دعوى أغلبية الاصابة في الطرق ، ولا إلى دعوى المصالح السلوكية ، بل ولا إلى المصالح التسهيلية ، إلاّأن يراد بها ما عرفت من إسقاط الاحتياط ، فلاحظ وتدبّر. ولكنّك قد عرفت أنّ سقوط الاحتياط لم يكن لمجرّد مصلحة التسهيل ، بل كان سقوطه لكونه منافياً لكون الرسول صلىاللهعليهوآله صاحب رسالة وشريعة.
والخلاصة : هي أنّ في المقام أُموراً لا محيص عنها : الأوّل : لزوم خلق البشر. الثاني : أنّه لابدّ للبشر من شريعة ذات أحكام اجتماعية وعبادية ، فكان اللازم تشريع تلك الأحكام. الثالث : أنّ باب الوصول إلى تلك الأحكام منسدّ عليهم ، إلاّأن يخلقهم جميعاً ملائكة أو أنبياء أو أئمّة معصومين ، ومن الواضح خلافه. الرابع : أنّه بعد هذه المقدّمات الثلاثة ينحصر إيصالهم إلى الواقع بالأمر
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
