التجرّي ، وحينئذ ينحصر الكلام في القسم الأوّل ، وهو ما لو قطع بحرمة الشيء وارتكبه ثمّ تبيّن الخلاف ، فعلى القول بالحرمة لابدّ من عنوان يكون هو الواسطة في الخطاب فإن كان ذلك العنوان جامعاً بينه وبين المعصية الحقيقية توجّه عليه ما قدّمناه ، وليس لنا عنوان يختصّ بصورة المخالفة.
اللهمّ إلاّأن يقال : إنّا لا نحتاج في الحكم بالحرمة إلى عنوان يختصّ بصورة المخالفة ، لأنّ ذلك إنّما نحتاج إليه لأجل تصحيح الخطاب ، والمفروض أنّه لا داعي للخطاب إلاّزجر المكلّف عن الارتكاب ، وهو ـ أعني الزجر المذكور ـ حاصل فيما نحن فيه بواسطة ما يتخيّله المتجرّي من الواقع.
والحاصل : أنّ المطلوب والغرض من الخطاب إنّما هو إحداث داعي الانزجار في حقّ العبد ، ويكفي في ذلك ما يتخيّله من الحرمة الواقعية ، وإن كان الذي هو محرّم عليه في الواقع هو نفس ذلك التجرّي دون ما تجرّى به.
ولكن هذا التقريب لو سلّمنا تماميته وإن لم يلزم عليه اجتماع المثلين واقعاً في صورة المصادفة ، ولا يلزم عليه اجتماع المثلين دائماً في نظر القاطع ، إلاّ أنّه يلزم عليه اجتماع الضدّين واقعاً في صورة المخالفة ، كما لو قطع بحرمة شيء وارتكبه وكان في الواقع واجباً عليه ، هذا.
مضافاً إلى أنّه إنّما يجري في ناحية التجرّي ، أمّا في ناحية الانقياد الذي هو توأم مع التجرّي ، ففيه إشكال ، لأنّه لو قطع بأنّ الدعاء عند رؤية الهلال مثلاً واجب في الواقع ، لو قلنا بوجوب الدعاء عليه لأجل قطعه المذكور وحرمة تركه كما قلنا في حرمة ما قطع بحرمته وإن لم يكن في الواقع حراماً ، فلابدّ في توجيه الخطاب من التماس عنوان يكون هو الباعث له على ذلك الفعل العبادي ، ولا ينفع في صحّته ما يتخيّله القاطع من الوجوب الواقعي ، لأنّ الاتيان بالدعاء بداعي
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
