العقاب إلاّإذا كانت مستتبعة لحكم شرعي ، والمفروض فيما نحن فيه عدم استتباعها للحكم الشرعي ، لما حقّق في محلّه (١) من عدم قابلية مقام الاطاعة والعصيان للحكم الشرعي.
لا يقال : كيف لا يعاقب وقد صار بصدد الطغيان وأظهر العصيان. لأنّا نقول : إنّ ذلك بمجرّده لا يكون موجباً لاستحقاق العقاب ما لم يكن مخالفة إرادة المولى. ولو سلّم استحقاقه بذلك كان توسّط حكومة العقل بقبح التجرّي من باب حكومة العقل بلزوم شكر المنعم لغواً صرفاً ، إذ لم يكن هو المنشأ في الاستحقاق وإنّما كان المنشأ له هو كون العبد بصدد الطغيان.
وبالجملة : أنّ حكومة العقل بقبح التجرّي لا أثر لها في الاستحقاق ، إذ لا أثر لمخالفة هذه الحكومة العقلية. وإنّما تكون مخالفة الحكومة العقلية مقرونة باستحقاق العقاب إذا كان ملاك تلك الحكومة هو الفرار عن العقاب المرتّب على مخالفة إرادة المولى ، وفي الحقيقة يكون حكم العقل بالقبح المذكور معلولاً لاستحقاق العقاب على ما قد حكم بقبحه ، ومن الواضح أنّ الانتقال من الحكم إلى علّته إنّما يتمّ في غير الأحكام العقلية كما في الأحكام الشرعية المعلولة عن المصالح والمفاسد ، فإنّ الحكم الشرعي يكون كاشفاً عن ثبوت علّته ، بحيث إنّه لو ثبت الحكم بطريق آخر غير علّته المذكورة لكان ثبوت الحكم المذكور دليلاً عليها وكاشفاً عنها ، أمّا حكم العقل نفسه فلا يتأتّى فيه الاستكشاف المزبور ، إذ ليس الحاكم غيره. وفي الحقيقة أنّه مع قطع النظر عن لزوم شكر المنعم لا يبقى للعقل حكم استقلالي بقبح المعصية ، بل ليس في البين إلاّانزجار العقل وفراره عن المعصية حذراً من الوقوع على ما رتّبه الشارع عليها من العقاب ، وفي
__________________
(١) راجع المجلّد الرابع من هذا الكتاب ، الصفحة : ٣٦٢ وما بعدها.
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
