ولا يخفى ما في هذه الدعوى ، فإنّه يرد عليها ـ مضافاً إلى ما أفاده قدسسره من الايراد على كلّ من الوجهين المذكورين بما حرّرناه عنه قدسسره ـ أنّ مخالفة حكم العقل في حدّ نفسه مع قطع النظر عن مخالفة حكم الشرع لا أثر له فيما نحن بصدده من استحقاق العقاب ، إذ ليست مخالفته بنفسها علّة لاستحقاق العقاب الذي هو المدّعى في هذا المقام.
وحينئذ نقول : إنّ حكم العقل بحسن الاطاعة وبقبح المعصية إمّا أن يكون من باب شكر المنعم ، وإمّا أن يكون من باب البعث على استحقاق الثواب والفرار عن استحقاق العقاب. فإن كان ملاكه هو الأوّل ، فإمّا أن نقول باختصاصه بلزوم شكر المنعم في امتثال أحكامه ولزوم الجري على وفق مراداته ، وإمّا أن نقول إنّه أعمّ من ذلك ، بحيث يشمل لزوم شكر المنعم بعدم إظهار الطغيان وإن لم يتّفق في البين مخالفة لمراداته.
فإن قلنا بالثاني ـ أعني تعميم حكم العقل بلزوم شكر المنعم لعدم إظهار الطغيان عليه ، وإن لم يكن في البين مخالفة لمراده كما هو غير بعيد ـ كان ذلك بالنسبة إلى هذه الجهة من التعميم من باب محض الحكومة العقلية ، التي قد عرفت أنّه لا دليل على كون تلك الحكومة علّة لاستحقاق العقوبة ، بل وهكذا الحال في الحكم المذكور أعني لزوم شكر المنعم بالاتيان بما هو مراده مع مصادفة الواقع ، فإنّ هذه الجهة ـ أعني مجرّد حكم العقل بلزوم الشكر ـ لا دليل على كونها علّة لاستحقاق مخالفها العقاب.
فقد ظهر لك من هذا : أنّ حكم العقل بقبح المعصية من باب مجرّد لزوم شكر المنعم لا دليل على كون مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب حتّى في صورة المصادفة للواقع فضلاً عن صورة الخطأ ، فإنّ مخالفة الحكومة العقلية لا توجب
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
