الحقيقة لا يكون في البين إلاّالفرار من العقاب المترتّب على مخالفة مراد الشارع ، ومن الواضح أنّ الفرار من العقاب إنّما يتحقّق بعد إحراز العقاب.
وحينئذ فيكون زبدة المخض في هذا المبحث هو أنّه هل في البين استحقاق للعقاب أو لا ، وبذلك تعود الحرب جذعة ، كأنّا لم نصنع شيئاً في تشبّثنا بأذيال هذه الحكومات العقلية التي لا حقيقة لها إلاّالفرار من العقاب المتوقّف على تحقّق الاستحقاق ، ولا يكون التشبّث بأمثال الحكومات إلاّمن باب المصادرة ، إذ لا يكون إلاّمن باب الاستدلال بعين ما هو المدّعى ، سيّما بعد فرض أنّ القاطع وإن كان مخطئاً فهو لا يرى إلاّالواقع ، ولا يرى إلاّ أنّه عاصٍ بالنسبة إلى الحكم الواقعي الذي قطع به ، وأنّ الذي يحكم بقبح فعله إنّما هو شخص آخر غير القاطع المذكور ، ومن الواضح حينئذ أنّه لا يكون في البين إلاّمجرّد الحكم باستحقاق العقاب من دون أن يتوسّط في البين حكم بقبح عقلي أو فرار وانزجار عقلي.
وإذا انتهى بنا الكلام إلى ذلك ، وعاد بنا البحث إلى أوّل المسألة الذي هو أوّل الدعوى أعني استحقاق العقاب فنقول : إنّ عقاب الشارع لعبيده لا دليل عليه سوى وعيده على مخالفتهم لما أراده تعالى منهم ، غايته أنّ تلك المرادات لا تكون عندنا جزافية ، بل هي ناشئة عن مصالح ومفاسد هو تعالى عالم بها ، كما أنّ وعيده بالعذاب على مخالفتها لم يكن جزافياً أيضاً ولا تشفّياً منهم ، بل كانت هناك حكمة داعية إلى ذلك الوعيد ، وأقلّ ما يتصوّر في حكمة ذلك هو إحداث الداعي الملزم لعبيده بالجري على طبق تلك المرادات ، لخوفهم من العقاب المترتّب على مخالفتها ، فيكون المنشأ في وعيده هو المحافظة على تلك المرادات التي لا تكون إلاّصلاحاً لهم.
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
