وإعجابك بالتفاف شجره ودوحاته ، واهتزازك بلطيف بواكره وروحاته ، وسرورك (١) به وهو حوّ تلاعه ، مورودة هضابه وأجراعه ، وكل المشارب ما خلاه ذميم ، وماؤه الدهر خصر والمياه حميم ، وتلك عادة تلونك ، وسجية تحضرمك ، وشاكلة ملالك وسأمك ، وأشعر الناس عندك من أنت في شعره ، وأحب البلاد إليك ما أنت في عقره ، فأين منك بساتين جلّق وجنانه ، ورياضة المونقة وخلجانه ، وقبابه البيض في حدائقه الخضر ، وجون (٢) العطر في جنانه النضر ، وما تضمّه حيطانه ، وتمجّه أنجاده وغيطانه ، من أمهات الراح التي هجرتها (٣) بزعمك ، وموارد (٤) الشّمول التي طلقتها برغمك ، وهيهات فو الله ما فارقتك تلك الأرجاع والمجاني ، ولا شاقتك تلك المنازل والمغاني. إلا تذكرا لما لدينا من طيب المعاهد ، وحنينا إلى ما عندنا من جميل المشاهد ، وأين من المشتاق عنقاء مغرب. ثم ذكر كلاما في جواب ما مر من الخمار لم يتعلق لي به غرض.
وما أحلى ما كتب به أبو إسحاق بن خفاجة من رسالة في ذكر منتزه :
ولما أكب الغمام إكبابا ، لم أجد منه إغبابا ، واتصل المطر اتّصالا ، لم ألف منه انفصالا ، أذن الله تعالى للصّحو أن يطلع صفحته ، وينشر صحيفته ، فقشعت الريح السحاب ، كما طوى السجلّ الكتاب ، وطفقت السماء تخلع جلبابها ، والشمس تميط (٥) نقابها ، وطلعة (٦) الدنيا تبتهج كأنها عروس تجلّت ، وقد تحلت ، ذهبت في لمّة من الإخوان نستبق إلى الراحة ركضا ، ونطوي للتفرج أرضا ، فلا أندفع (٧) إلا إلى غدير ، نمير ، قد استدارت منه في كل قرارة سماء ، سحائبها غماء ، وانساب في تلعة (٨) حباب ، جلده حباب ، فترددنا بتلك الأباطح ، نتهادى تهادي أغصانها ، ونتضاحك تضاحك أقحوانها ، وللنسيم ، أثناء ذلك المنظر الوسيم ، تراسل مشي ، على بساط وشي ، فإذا مر بغدير نسجه درعا ، وأحكمه صنعا ، وإن عثر بجدول شطب منه نصلا ، وأخلصه صقلا ، فلا ترى إلا بطاحا ، مملوءة سلاحا ، كأنما انهزمت هنالك كتائب فألقت بما لبسته من درع مصقول ، وسيف مسلول.
ومن فصل منها. فاحتللنا قبّة خضراء ممدودة أشطان الأغصان ، سندسية رواق الأوراق ، وما زلنا نلتحف منها ببرد ظل ظليل ، ونشتمل عليه برداء نسيم عليل ، ونجيل الطرف في نهر صقيل ، صافي لجين الماء ، كأنه مجرّة السماء ، مؤتلق جوهر الحباب ، كأنه من ثغور الأحباب ،
__________________
(١) في ب : وغرورك.
(٢) في ب : وجوه.
(٣) في ب : طلقتها.
(٤) في ب : وموادّ.
(٥) في ب ، ه : تحطّ.
(٦) في ب ، ه : وتطلعت الدنيا.
(٧) في ب ، ه : فلا ندفع.
(٨) في ب : في كل قلعة ..
![نفح الطّيب [ ج ٢ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2788_nafh-altayeb-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
