وكان بالإسكندرية مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد ، له مروءة عظيمة ، ويحتذي أفعال البرامكة ، وللشعراء فيه أمداح كثيرة ، ومدحه ظافر الحداد وأمية أبو الصّلت وغيرهما ، وكان له بستان يتفرّج فيه ، به جرن كبير من رخام ، وهو قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره ، وكان يرى في نفسه برؤيته زيادة على أهل التنعم والمباهاة في عصره ، فوشى به للبدوية محبوبة الآمر ، فسألت الآمر في حمل الجرن إليها ، فأرسل إلى ابن حديد في إحضار الجرن ، فلم يجد بدّا من حمله من البستان ، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج (١) ، فقلق ابن حديد ، وصارت في قلبه حزازة (٢) من أخذ الجرن ، فأخذ يخدم البدوية وجميع من يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحد في الكثرة ، حتى قالت البدوية : هذا الرجل أخجلنا (٣) بكثرة تحفه ، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا ، فلما قيل له عنها هذا القول قال : مالي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عز غير ردّ السّقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم تردّ إلى مكانها ، فتعجبت من ذلك ، وردتها عليه ، فقيل له : قد حصلت في حد أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب ، فنزلت همتك إلى قطعة حجر ، فقال : أنا أعرف بنفسي ، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه ، وقد بلغها الله تعالى أملها.
وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر ، وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلّده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة ، وأضاف إليها الأعمال البحرية ، ووصل إلى الثغر ـ وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور ، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن الشمع فما كان أكثر من مسافة الطريق إلا وقد أحضر حقّا مختوما ، ففك عنه ، فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مداف (٤) بلور فيه ثلاثة بيوت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر : بيت دهن ممسك ، وبيت دهن بكافور ، وبيت دهن بعنبر طيب ، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته ، فعند ما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته ، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه ، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه ، وكان [من](٥) جواب المؤتمن : وقد قبلته منك لا لحاجة إليه ، ولا نظر في قيمته ، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها ، وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار.
__________________
(١) في ب : «وتركيبه هنالك».
(٢) في نسخة : حرارة.
(٣) في ب : «أخلجنا».
(٤) في ب : «مراق».
(٥) في ب : «ساقطة».
![نفح الطّيب [ ج ٢ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2788_nafh-altayeb-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
