النفوس شمه ، وتستدفع الأكف ضمه ، وأنا أمتع يابسا ورطبا ، وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء ، وأصرف في منافع الأعضاء ، فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي ، فلا غرو أن الوشي ضعيف ، والهوى لطيف ، والمسك خفيف ، وليس المجد يدرك بالصّراع ، وقد أودعت أيد الله مولانا قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه ، وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما ، فقديما فضل الحاضر وإن كان مفضولا ، ولذا قالوا : ألذ الطعام ما حضر لوقته ، وأشعر الناس من أنت في شعره ، فلمولانا أتم الحكم في أن يفصل بحكمه العدل ، وأقول : [الكامل]
|
شهدت لنوّار البنفسج ألسن |
|
من لونه الأحوى ومن إيناعه(١) |
|
لمشابه الشّعر الأعمّ أعاره ال |
|
قمر المنير الطّلق نور شعاعه |
|
ولربّما جمع النّجيع من الطّلى |
|
من صارم المنصور يوم قراعه |
|
فحكاه غير مخالف في لونه |
|
لا في روائحه وطيب طباعه |
|
ملك جهلنا قبله سبل العلا |
|
حتّى وضحن بنهجه وشراعه |
|
في سيفه قصر لطول نجاده |
|
وتمام ساعده وفسحة باعه |
|
ذو همّة كالبرق في إسراعه |
|
وعزيمة كالحين في إيقاعه(٢) |
|
تلقى الزّمان له مطيعا سامعا |
|
وترى الملوك الشّمّ من أتباعه |
وما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف حديقة : [الكامل]
|
وحديقة مخضرّة أثوابها |
|
في قضبها للطّير كل مغرّد |
|
نادمت فيها فتية صفحاتهم |
|
مثل البدور تنير بين الأسعد |
|
والجدول الفضّيّ يضحك ماؤه |
|
فكأنّه في العين صفح مهنّد |
|
وإذا تجعّد بالنّسيم حسبته |
|
لمّا تراه مشبها للمبرد |
|
وتناثرت نقط على حافاته |
|
كالعقد بين مجمّع ومبدّد |
|
وتدحرجت للنّاظرين كأنّها |
|
درّ نثير في بساط زبرجد(٣) |
وكان بحمام الشطارة بإشبيلية صورة بديعة الشكل فوصفها بعض أهل الأندلس بقوله: [الوافر]
__________________
(١) الأحوى من كان لونه بلون الحديد.
(٢) الحين ، بفتح الحاء : الموت.
(٣) في ه : وترجرجت للناظرين.
![نفح الطّيب [ ج ٢ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2788_nafh-altayeb-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
