الأحكام ، إذ ليست هي بأقرب إليه من الأفعال الخارجية ، وقد قلنا إنّه ربما أو كثيراً ما عجز عن إدراك صلاحها وفسادها أو عن حسنها وقبحها.
وحينئذ فيمكن القول بإنكار الملازمة بين ما يدركه العقل في بعض الأفعال من صلاح أو فساد أو من حسن أو قبح ، وبين صدور إيجاب الأوّل شرعاً ، وتحريم الثاني شرعاً ، ولعلّه إلى ذلك يرجع ما أفاده في الفصول (١) من إنكار الملازمة بعد تسليم الملزوم أعني الحسن والقبح العقليين ، فإنّ حسن نفس الفعل لا دخل له بحسن الأمر به ، إذ ربما كان هناك مانع عن نفس الأمر به حيث كان في الأمر به مفسدة ، وإن كان الفعل في حدّ نفسه لو فعله الفاعل لكان بكمال الحسن ، وكانت مصلحته تامّة ، لكن هناك مفسدة في نفس الأمر به تكون مانعة من الأمر به ، ولو من جهة كون الأمر به لغواً لا يصدر من الحكيم لعلمه بأنّه لا يمتثله أحد ونحو ذلك من موانع الأمر به مع فرض كون الفعل في حد نفسه بكمال الحسن والصلاح.
وربما انعكس الأمر بأن كان الفعل خالياً من المصلحة ، لكن في الأمر به مصلحة تبعث على الأمر به ، ولا يرد عليه لزوم الترجيح بلا مرجّح وهو قبيح ، لما حقّقناه من أنّ ذلك ـ أعني الترجيح بلا مرجّح ـ وإن كان قبيحاً إلاّ أنّ الحكيم لابدّ له من ذلك لأجل تحصيل المصلحة الحاصلة بنفس الأمر مع فرض كونها أهمّ ، ولا يكون حصول المصلحة بنفس الأمر موجباً لسقوطه ، لامكان توقّف المصلحة في الأمر على امتثاله ، بحيث يكون في الأمر إذا عقّب بالاطاعة مصلحة كافية ، على وجه لو لم يمتثله المكلّف فوّت على نفسه تلك المصلحة واستحقّ العقاب على تفويتها.
__________________
(١) الفصول الغروية : ٣٣٧.
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
