القطع للواقع ، فورد عليهم الإشكال هنا بأنّه يمكن أن تكون الجهة الواقعية المشتملة على الحسن رافعة لقبح التجرّي ، فاحتاجوا إلى الجواب بالفرق بين المقامين بما أشار إليه الشيخ قدسسره من أنّه يظهر بالتأمّل الذي شرحه شيخنا قدسسره ، وحاصله : أنّ كلامنا في ذلك المقام كان عبارة عن دعوى كون ما هو خارج عن الاختيار الذي هو عدم مصادفة الواقع مؤثّراً في رفع القبح الطارئ على التجرّي ، وكلامنا في هذا [ المقام ] هو عبارة عن دعوى أنّ الجهة الواقعية أعني جهة الحسن التي هي ملاك الوجوب الواقعي لمّا لم تكن معلومة وكانت غير ملتفت إليها ، لم يعقل أن تكون مؤثّرة في الحسن كي يكون ذلك الحسن كاسراً لقبح التجرّي.
ولا يخفى أنّ جميع هذه التكلفات إنّما نشأت عمّا أشرنا إليه من دعوى كون حكم العقل بقبح التجرّي علّة لاستحقاق العقاب ، فلذلك احتاجوا إلى إنكار ذلك القبح ، ولكن حسبما عرفت فيما تقدّم أنّ حكم العقل بقبح التجرّي ينبغي أن يعدّ من المسلّمات ، إلاّ أنّه لا أثر له في استحقاق العقاب ، وأنّ أقصى ما فيه أن يكون موجباً لاستحقاق الذمّ واللوم عند العقلاء.
قوله : وأمّا ما في دعواه الثالثة من أنّ التجرّي لو صادف المعصية يتداخل عقابه ، ففيها : أنّ التجرّي لا يعقل أن يجتمع مع المعصية حتّى يتداخل العقاب ... الخ (١).
لم يتّضح لنا مسلك صاحب الفصول قدسسره في مسألة التجرّي ، فإنّه إن كان يقول بحرمته شرعاً في قبال الحرمة الواقعية ، اجتمعت الحرمتان حينئذ في صورة المصادفة ، لكن لا وجه للحكم بتداخل عقابيهما ، بل كان اللازم حينئذ هو استحقاق كلا العقابين ، مضافاً إلى ما تقدّم من الإشكالات الواردة على الالتزام
__________________
(١) فوائد الأُصول ٣ : ٥٥.
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
