هذا اليوم بقصر الناعورة دعوة حسنة أفضل فيها على عامة أهل مملكته ، ووصل المهندسين والقوّام بالعمل بصلات حسنة جليلة (١) جزيلة.
وأما مدينة الزهراء فاستمر العمل فيها من عام خمسة وعشرين وثلاثمائة إلى آخر دولة الناصر وابنه الحكم ، وذلك نحو من أربعين سنة.
ولما فرغ من بناء مسجد الزهراء على ما وصف كانت أوّل جماعة صليت فيه صلاة المغرب من ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان ، وكان الإمام القاضي أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي عيسى ، ومن الغد صلى الناصر فيه الجمعة ، وأوّل من خطب (٢) به القاضي المذكور ، ولما بنى الناصر قصر الزهراء المتناهي في الجلالة والفخامة أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتة ، وما دخل إليه قط أحد من سائر البلاد النائية والنّحل المختلفة من ملك وارد ورسول وافد وتاجر وجهبذ (٣) ، وفي هذه الطبقات من الناس تكون المعرفة والفطنة ، إلا وكلهم قطع أنه لم ير له شبها ، بل يسمع به (٤) ، بل لم يتوهم كون مثله ، حتى إنه كان أعجب ما يؤمله القاطع إلى الأندلس في تلك العصور النظر إليه ، والتحدث عنه ، والأخبار عن هذا تتسع جدا ، والأدلة عليه تكثر ، ولو لم يكن فيه إلا السطح الممرّد المشرف على الروضة المباهى بمجلس الذهب والقبة وعجيب ما تضمنه من إتقان الصنعة وفخامة الهمة وحسن المستشرف وبراعة الملبس والحلة ما بين مرمر مسنون وذهب مصون (٥) وعمد كأنما أفرغت في القوالب ، ونقوش كالرياض ، وبرك عظيمة محكمة الصنعة ، وحياض وتماثيل عجيبة الأشخاص لا تهتدي الأوهام إلى سبيل استقصاء التعبير عنها ، فسبحان الذي أقدر هذا المخلوق الضعيف على إبداعها واختراعها من أجزاء الأرض المنحلة كيما يري الغافلين عنه من عباده مثالا لما أعدّه لأهل السعادة في دار المقامة التي لا يتسلّط عليها الفناء ، ولا تحتاج إلى الرّم ، لا إله إلا هو المنفرد بالكرم.
وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيان صاحب الشرطة أن مباني الزهراء (٦) اشتملت على أربعة آلاف سارية ، ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة ، ونيّف على (٧) ثلاثمائة سارية هو ستّ عشرة (٨) ، قال : منها ما جلب من مدينة رومة ، ومنها ما أهداه صاحب القسطنطينية ، وأن مصاريع أبوابها صغارها وكبارها كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب ، وكلها ملبسة بالحديد
__________________
(١) جليلة : غير موجودة في ب.
(٢) في ب : وأول خطيب به القاضي ..
(٣) في ب : تاجر جهبذ.
(٤) في ب : بل لم يسمع به ..
(٥) في ب ، ه : وذهب موضون.
(٦) في ب : مباني قصر الزهراء.
(٧) في ب ، ه : ونيف هو ثنتا عشرة على ..
(٨) هو ست عشرة : غير موجودة في ب.
![نفح الطّيب [ ج ٢ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2788_nafh-altayeb-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
