نقول إنّه يكون من ناحية كون تلك الأفعال المخالفة لإرادة المولى بحيث يكون ذلك بمنزلة العلّة التكوينية للعقاب ، كما أنّ الثواب يكون من قبيل المعلول التكويني للاطاعة والموافقة لارادة المولى ، سواء كان ذلك على نحو الاقتضاء أو كان على نحو العلّية التامّة. أو نقول إنّ العقاب يكون لإزالة الكدورة الطارئة على النفس بواسطة مزاولة ارتكاب المعاصي ، فيكون العقاب بمنزلة المطهّر لها من تلك القذارة ، المزيل عنها هاتيك الكدورة ، ليتمّ بذلك صفاؤها وقابليتها للالتحاق بالرفيق الأعلى ، لتكون محلاً لذلك الرضوان والفيض التامّ ، فإنّه على جميع هذه الوجوه أو الأقوال لا يكون إلاّمن ناحية مخالفة إرادة المولى.
نعم ، لو قلنا إنّ العقاب يكون لازالة الخبث الباطني وتطهير الطينة الخبيثة ولو لم يكن في البين ارتكاب المخالفة لارادة المولى ، لكان العقاب جارياً في صورة التجرّي ، بل اللازم على هذا القول جريان العقاب حتّى على الطفل الذي لم يبلغ وحتّى على من منع من ارتكاب المعاصي بمانع قهري من حبس ونحوه ، لكن لا أظنّ أنّ أحداً من المسلمين يقول بذلك بحيث إنّه يلتزم بلوازمه المذكورة.
وممّا يتفرّع على عدم استحقاق المتجرّي للعقاب ، أنّه لو علم إجمالاً بخمرية أحد المائعين ، وقامت بيّنة على كونه أحدهما المعيّن ، وتجرّى وشرب ذلك الذي قامت عليه البيّنة ، وشرب الآخر أيضاً ، ثمّ تبيّن العكس وأنّ ما قامت عليه البيّنة لم يكن خمراً بل كان الخمر هو الآخر ، فإنّ مقتضى عدم استحقاق المتجرّي للعقاب أنّه لا يستحقّ العقاب لا على الأوّل لأنّه لم يصادف الواقع ، ولا على الثاني لأنّه لم يكن منجّز الحرمة ، ولا ضير في ذلك ، سواء كان من أوّل الأمر بانياً على شربها على التدريج ، أو كان قد بدا له شرب الثاني بعد شرب الأوّل ، إذ
![أصول الفقه [ ج ٦ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F980_osol-alfeqh-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
