فوقها ؛ فتجري فيها القاعدة المذكورة وتحكم بوجودها ؛ فيلزم أن توجد بين كلّ عقلين عقول غير متناهية مجتمعة مترتّبة بالترتّب الذاتي ، محصورة بين حاصرين (١) ؛ وهو باطل بوجهين.
والجواب : انّا نلتزم (٢) أنّ مراتب الوجود الصادرة منه تعالى غير متناهية ـ كما تقتضيه (٣) القاعدة المذكورة ـ ولكن لا يلزم عدم تناهي سلسلة العقول الطولية ؛ إذ ذلك إنّما يكون إذا اشتمل كلّ من العقول على مراتب متناهية من الوجود ؛ وهو ممنوع ؛ إذ كلّ عقل لقربه بصرف الوجود وضعف الجهة العدمية ـ أعني الماهيّة ـ فيه يشتمل على مراتب وحدود غير متناهية من الوجود ؛ وكونه ذا ماهيّة لا يوجب محدوديته [و] عدم تناهيه ، لضعف الماهيّة فيه وقربه إلى صرافة الوجود ؛ فالواجب لكونه صرف الوجود يشتمل على جميع المراتب الوجودية على وجه جمعي أعلى وأشرف [و] كلّ مرتبة منها غير متناهية ويصدر عنه جميع الموجودات على وجه أفضل وأكمل لا يتصوّر فوقه في العلوّ والشرافة ؛ والصادر الأوّل لغاية قربه منه يشتمل على بعض المراتب الوجودية التي كلّ منها أيضا غير متناه وبواقيها يختصّ بالعالم الربوبي. ثمّ الصادر الثاني يشتمل على مراتب أقلّ من المراتب التي يتضمّنها الصادر الأوّل وإن كانت غير متناهية أيضا وهكذا إلى العقل الآخر.
ومن تأمّل في حال النفس الناطقة الإنسانية وكثرة عوالمها واشتمالها على حدود ومراتب وجودية كثيرة يزول تعجّبه عن إحاطة العقول على مراتب وجودية غير متناهية ؛ فإنّ النفس مع وحدتها وبساطتها وخروج جميع الأجزاء البديهية من الأعضاء والروح الحيواني والمدركات الذهنية والماهيّات / B ١٦٩ / العقلية عن هويّتها وإنّيتها لذهولها عن جميعها وغيبته عنها وعدم ذهولها وغيبتها عن ذاتها لها درجات وحدود ذاتية ، بل ليست محدودة في حدّ معيّن ومرتبة
__________________
(١). س : حاضرين.
(٢). س : يلتزم.
(٣). س : يقيضه.
