ثمّ إلى ما ورائه ؛ وهذا هو مقام جمع الجمع بالمعنى الثاني ويسمّى صاحبه بذي العقل ؛ لأنّ مشاهدته مقتضى العقل ، كما أنّ مشاهدة صاحب المقام الأوّل مقتضى عين البصرة والعيان.
وقد يكون العارف السالك بحيث لا يشاهد إلّا الحقّ ؛ ويسمّى هذا المقام ـ كما سبق ـ مقام الجمع ومقام المحو ومقام الفناء ؛ وقد عرفت أنّ فيه بعض الأخطار ولذا كان المقام الأوّل أعلى منه ؛ وقد يشاهد الخلق في كلّ الأشياء ويرى الحقّ مغايرا لها من كلّ الوجوه ويرى بقاء الرسوم الخلقية بحالها ؛ وهذا هو مقام الفرق وهو أنزل المقامات.
وقد يندرج العارف السالك في مراتب القرب ويحصل له المقامان الأوّلان ويصير ذا العين وذا العقل ، ويشاهد الحقّ وأعيان الممكنات من غير احتجاب بأحدهما عن الآخر ؛ فكلّ منهما عنده ظاهر وباطن باعتبار آخر ويصير كلّ منهما عنده مرآة للآخر ؛ فهو قد يقول : «ما رأيت شيئا إلّا ورأيت (١) الله فيه» وقد يقول : «ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله معه» ويسمّى صاحب هذا المقام بذي العين والعقل ؛ ويسمّى هذا المقام مقام السير في الله والسير مع الله ومقام جمع الجمع أيضا ، كما سبق. / A ١١٣ /
وتختلف أحوال تلك المقامات كلّها سيّما المقام الأوّل الذي هو أعلى المقامات بحسب اختلاف أحوال السالكين وبحسب اختلاف حالات شخص واحد في أوقات مختلفة ؛ ولعلّ قول سيّد الرسل صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ لي مع الله وقت لا يسعه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل» (٢) إشارة إلى أقصى مراتب مقام جمع الجمع ؛ وفي كلّ من تلك المقامات ومراتبها يلاحظ توحيد الذات واضمحلال ذوات الممكنات و
__________________
(١). س : ايت.
(٢). انظر : بحار الأنوار ، ج ١٨ ، ص ٣٦٠ وج ٨٣ ، ص ٣٦٥ وشرح اصول الكافي (للمولى صالح المازندراني) ، ج ٣ ، ص ٨٢ و ١٦٣.
