الأمر في مثل هذا الاختلاف هيّن ؛ إذ مرادهم إبداء الاعتبارات المصحّحة لصدور الكثرة على سبيل الإمكان والتحرير لا على طريق القطع والتحقيق.
[الخامس :] ما ذكره بعض المتأخّرين ؛ وهو أنّ العقل الأوّل ملتئم الماهيّة لا محالة من جنس واحد وفصل واحد ؛ لأنّه أوّل الحقائق المتحصّلة في عالم الإمكان. فجنسه أوّل الأجناس وفصله أوّل الفصول ونسبة الجنس إلى الفصل كنسبة المادّة إلى الصورة ؛ وحيث إنّ الأفعال والآثار إنّما تصحّ عن الشيء باعتبار الفصل وهذا الفصل الواحد لا يصدر عنه إلّا شيء واحد هو العقل الثاني والعقل الثاني أيضا له فصل واحد هو مبدأ صدور شيء ثالث والفصل الأوّل من حيث هو واحد بعد ما صدر عنه العقل الثاني لا يجوز أن يصدر عنه شيء آخر لكن باعتباره مع الفصل الثاني يصير غير كلّ واحد منهما ؛ فيمكن أن يصدر من العقلين لأجل الفصلين شيء رابع حتّى يكون الصادر عن العقل الثاني شيئين في مرتبة واحدة ؛ فبهذا الطريق يتكثّر شعب الوجود ويتفجّر ينابيع الفيض والجود وكلّما يتباعد عن مرتبة الأحدية الخالصة تتكثّر الجهات وتتضاعف الاعتبارات حتّى يحصل من ذلك عدد يصحّ أن يكون واسطة لصدور فلك الثوابت بكثرة ما فيه من الكواكب.
وقد أورد هذا المتأخّر على الوجوه السابقة أنّ غرض المشّائين في هذا المقام من كلماتهم إنّما هو تمثيل لكيفية صدور الكثرة / A ٧٦ / عن الواحد الحقّ لا تحقيق لها ؛ لأنّ الجهات التي تصلح لها إنّما هي جهات يمكن أن يكون مصدرا ومنشأ كالنور والحرارة في النار للتنوير والتسخين ؛ والاعتبارات التي ذكرها الحكماء مثل الإمكان والوجوب بالغير والعلم بالمبدإ والعلم بالذات ليست معاني تصلح لذلك وإلّا لكان كلّ ما له هذه الجهات يفعل هذه الأفعال ، كما أنّ كلّ ما له جهات النار يفعل بحسبها فعل النار.
