المتحقّق في كلّ آن إلّا جزئه ، ثمّ ينعدم ويتحقّق جزئه الآخر ، كأنّ مجموعه من البداءة إلى النهاية قد تحقّق أوّل جزء منه ، ولهذا يقال : تحقّق الليل بمحض الغروب ، وفي الفارسيّة : «شب شد» ومع ذلك يطلقون النصف ، فيقولون : انتصف الليل.
فالتعبير بالانتصاف بملاحظة الواقع ، والتعبير بالتحقّق مبنيّ على المسامحة التي ذكرنا ، فباعتبار هذه المسامحة يصحّ إطلاق البقاء وإن كان ليس مظروفا للزمان ، بل هو نفسه الزمان ، فإنّه من قبيل : مضى الزمان ، وعلم الله ، فليس في حاقّ البقاء والمضيّ عناية الزمان ، ولهذا صحّ إطلاقهما بلا عناية على نفس الزمان وعلى المجرّدات في المثالين.
وكيف كان ففي هذا القسم لا يتحقّق أركان الاستصحاب إن اعتبرنا في الاستصحاب تعلّق الشك بعنوان البقاء كما اعتبروه في تعريفه إلّا على المسامحة المذكورة ، وإن لم نعتبره كما هو الحقّ فالوحدة الشخصيّة هنا متحقّقة بالدقّة العقليّة بلا حاجة إلى المسامحة أصلا ، ولكنّ تحقّق اليقين والشكّ بهذا الأمر المحدود محتاج إلى المسامحة ، وإلّا فلا يفرض اليقين به إلّا بعد تحقّق جزئه الأخير ، ومعه نقطع بارتفاعه ولا نشكّ في بقائه.
والوجهان كما ترى مشتركان في الجريان بين الزمان والزماني أعني الامور التدريجيّة غير الزمان مثل التكلّم والمشي والحركة ونبع الماء وسيلان دم الحيض ونحوها ، والمقيّد بأحد الأمرين كما لو رتّب أثر على قيام زيد في النهار فشككنا في النهار أو في قيامه.
فإنّ الوجهين جاريان في التكلّم وأمثاله كما في الزمان ، غاية الأمر نقول في الزمان : إنّ التوسّط عبارة عن كون الشمس بين المشرق والمغرب فوق الأرض في النهار ، وكونها بينهما تحتها في الليل ، والقطعية عبارة عن حركتها المحدودة بحدود المسافة ، وفي التكلّم مثلا نقول : التوسّط عبارة عن كون الكلام والأصوات والحروف بين المبدا والمنتهى ، والقطع عبارة عن الأصوات المحدودة المتّصلة المعدودة شيئا واحدا ، وهكذا قياس البواقي.
![أصول الفقه [ ج ٢ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3600_usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
