كل محاسن الصور الجميلة مصوّرة في الحائط ومجسّمة بين يديه ، ويرى كلّ منهما صاحبه على هذه الصفة ، ورأيت في صدر الخلو حوض رخام مضلّع وعليه أنبوب مركب في صدره ، وأنبوب آخر برسم الماء البارد ، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر ، وعن يمنة الحوض (١) ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الندّ والعود ، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة ، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة : من أي شيء صنعت؟ فقال لي : ما أعلم.
قال الحاكي : فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة ، ولا بأحسن من ذلك الحمّام ، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما ، فإنه لم تتكرّر رؤيتي لهما ، ولا اتّفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما ، وفي الذي ذكرت كفاية ، انتهى.
ولمّا اتّصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي ، ولقبه جمال الملك ، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دورا أخرى إلى جانبها ، وهدم الكلّ ، وأنشأ داره الكبيرة ، وأعانه الخليفة في بنائها ، وأطلق له أموالا وآلات البناء ، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرّة وأجريت الدار بالذهب ، وصنع فيها الحمّام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يمينا خرج ماء حار وإن فركه شمالا خرج ماء بارد ، وكان على إيوان الدار مكتوبا (٢) : [السريع]
|
إن عجب الراءون من ظاهري |
|
فباطني لو علموا أعجب |
|
شيّدني من كفّه مزنة |
|
يهمل منها العارض الصّيّب (٣) |
|
ودبّجت روضة أخلاقه |
|
فيّ رياضا نورها مذهب |
|
صدر كسا صدري من نوره |
|
شمسا على الأيام لا تغرب |
وكتب على الطرز : [مجزوء الكامل]
|
ومن المروءة للفتى |
|
ما عاش دار فاخره |
|
فاقنع من الدنيا بها |
|
واعمل لدار الآخره |
|
هاتيك وافية بما |
|
وعدت ، وهذي ساخره |
__________________
(١) في ب : «وعن يمين الحوض ويساره عمدان .. الخ». وفي ه : «وعن يمينه الحوض .. الخ» وليس بشيء.
(٢) في ه : «مكتوب».
(٣) المزنة : السحابة الممطرة. والعارض : السحاب المعترض الأفق.
![نفح الطّيب [ ج ٤ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2800_nafh-altayeb-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
