الامتداد الحاصل من وقت حدوث العالم إلى هذا الآن أكثر من الحاصل من زمان نوح إلى هذا الآن ؛ وظاهر أنّ الزمان بامتداده إنّما وقع في وعاء الواقع والدهر الذي لو لم يوجد فيه زمان لم يتحقّق فيه إلّا العدم الصّرف ؛ فكما يصدق أنّ الزمان الذي وجد في العدم الصّرف له امتداد وتصرّم يصدق أنّ العدم الخالص الذي لم يوجد فيه الزمان وهو العدم الواقعي للعالم بحيث لو فرض فيه وجود الزمان لكان غير متناه.
فإن قيل : هذا الواقع المسمّى بالدهر الذي هو وعاء عدم العالم إن كان معدوما صرفا فكيف يتحقّق به الانفكاك الواقعي ويكون وعاء للموجود من الواجب أو غيرها من المجرّدات؟! وإن كان موجودا قديما لزم وجود قديم سوى الله وإن كان حادثا لزم التسلسل أو الانتهاء إلى القديم.
وأيضا : الدهر إمّا ثابت بنفسه من غير حاصله ؛ فيكون واجبا ؛ وهو باطل أو بالواجب لذاته ومعلول له ؛ فإن كان منتزعا عنه تعالى لزم قيامه / B ٢٠٣ / بذاته تعالى ؛ وهو محال ، لبطلان قيام مثله بالواجب على أنّ ما قام به كيف يصير ظرفا للعالم ولغيره من المبدعات وإن لم يكن منتزعا عنه تعالى؟! بل كان موجودا منفصلا عنه تعالى قديما أو حادثا ؛ فمع لزوم كون الواجب موجودا لا في الدهر والواقع يعود بعض الإشكالات المتقدّمة أيضا.
قلنا : أمّا أوّلا فإنّ الواقع والخارج ونفس الأمر والدهر وما يساوقها ممّا لم يختصّ بإثباته القائلون بالحدوث الدهري ، بل الكلّ متّفقون على ثبوته ، فالترديد فيه بأنّه كذا أو كذا مع فساد كلّ شيء يرد عليهم أيضا والجواب الجواب ولا فرق منشأ بين الحكماء والمتكلّمين في ذلك إلّا أنّ الحكماء يقولون : «إنّ الواقع لا ينفكّ عن وجود العالم» والمتكلّمون يقولون : «إنّه لا ينفكّ عن الزمان الموهوم» ونحن نقول : «ينفكّ عنهما ويحصل به الانفكاك» وجواب ذلك
