الموجود وبطلان الزماني ببطلان الزمان الموهوم يثبت حقيقة الحدوث الدهري وهو مسبوقية العالم بعدم صريح واقعي لو قدّر وجود الزمان فيه لكان غير متناه.
ثمّ هذا الحدوث مستلزم للحدوث الذاتي أيضا ؛ لأنّ تأخّر العالم عن الواجب بالعدم الصريح الواقعي مستلزم للتأخّر الذاتي الذي هو محض الفاقد المرادف للحدوث الذاتي ؛ فالحدوث الدهري مستلزم للذاتي بخلاف العكس ، كما أنّ الزماني مستلزم لهما دون العكس ؛ فالمراد بما ذكر من بطلان الحدوث الذاتي هو بطلان انحصار الحدوث فيه ، كما عليه الفلاسفة.
ثمّ تحقيق الكلام في الحدوث الدهري وتوضيح معناه وتحقيق حقيقته على ما لا تبقى فيه شبهة هو أنّه لا ريب في أنّ تقدّم الواجب والعدم على العالم على القول بالحدوث الذاتي تقدّم بالذات ويسمّى بالتقدّم العقلي ؛ لأنّه اعتبار يخترعه العقل من تلقاء نفسه وليس تقدّما بحسب الخارج والواقع ؛ (١) وعلى القول بالحدوث الزماني تقدّم بالزمان بمعنى أنّهما متقدّمان بالزمان على العالم ؛ وعلى القول بالدهري تقدّم دهري بمعنى أنّهما متقدّمان عليه بحسب الدهر الذي هو الواقع ونفس الأمر. فهذا التقدّم ـ أي التقدّم الدهري ـ ليس شيئا من أقسام التقدّم الخمسة المشهورة ، بل هو قسم آخر مغاير لها ؛ ولا ضير فيه.
والحاصل : أنّ العالم مع حدوثه ـ بأيّ معنى اخذ من الأقسام الثلاثة للحدوث ـ مسبوق بالعدم إلّا أنّ العدم على الأوّل لعدم تناهي الحركة والزمان مجرّد عدم ذاتي هو مجامع للعلّة والمعلول وليس عدما واقعيا يمكن أن يفرض فيه وجود شيء إذا وجد فيه يكون متقدّما على العالم وما هو إلّا العدم الذي يلزم ماهيّة الممكن ؛ وهو وإن كان عدما في مرتبة من المراتب هي مرتبة وجود العلّة إلّا أنّه ليس ممّا يمكن أن يقع به الفصل بين العالم وبين الواجب فصل بينونة ، بل
__________________
(١). س : الخارج فالواقع.
